ليست كل الأشياء واضحة ومحددة في حرب اليمن، فعدن التي تحررت قبل عام وأصبحت حسب المرسوم الرئاسي «عاصمة مؤقتة» تردد أناشيد النصرعلى إيقاع صيف مكشّر وحارق، مكابدةً ندرة الضوء والوقود والماء..
ولم تشفع لها النداءات المقرونة بالشكر والمديح لدول التحالف للفت نظرها إلى حالات الغرق المؤلم في دياجير الصيف، وانقطاع الخدمات الأساسية أكثر مما كان عليه الحال في وقت المعارك داخل المدينة.
عدن مفتوحة على البحار والبراري، وتعتبر من الناحية العملية تحت رعاية «الحكومة الشرعية»، إلا أنها تعيش وضعا أسوأ من أي مدينة محاصرة.. حتى أن موسم الشكر لدول التحالف يكاد يتلاشى، لتحل بدلاً منه سرديات إعلامية تستجلي المفارقات بين المدن المحررة والأخرى التي تقبع تحت الهيمنة الحوثية.
وهذا الأمر يثير الشعور بالحيرة تجاه الجوار الإقليمي، وفقاً لاعتبارات عدة، أولها أن من حق الناس عليه أن يضعهم تحت العناية، خاصة في ما يتعلق بالضرورات التي لا تستقيم الحياة بدونها.. فالناس في هذه الارض بعيدون عن الأمواج الزرقاء لبحر إيجة وسواحل جنوب اوروبا، وليس أمامهم سوى المكوث في مكانهم قبالة الصفيحة القارية الصلبة للجزيرة العربية وانتظار مساعدة الضرورة من الجوار خلال هذه المحنة التاريخية العسيرة.
تطبيع الحياة في المناطق المحررة، خاصة توحيد القطاعات العسكرية والأمنية وتوفير الخدمات الأساسية، أصبح مادة مثيرة للجدل في الأوساط السياسية والإعلامية، وحتى في الوسط الشعبي، ففيما يعتقد البعض أن الأمر يحتاج إلى وقت كاف كي يتوافق مع حسابات شاملة لوضع اليمن، يذهب آخرون إلى تفسيرات تتعلق بالإرادات السياسية المختلفة تجاه المناطق المحررة، وهناك من يبدي تخوفاته من أن التطبيع قد يعزز من واقع الدلالات الجيوسياسية للحالة الجنوبية، الذي قد يؤثر، في الوقت الحاضر، على التوجه العام المعلن لدول التحالف في استعادة مؤسسات الدولة المركزية أولاً من أيدي خاطفيها، على الرغم من وجود تباينات غير مؤكدة بين الدول الرئيسة حول آفاق العملية السياسية الشاملة في اليمن وطبيعة القوى الفاعلة في مرحلة ما بعد الحرب.
ويرى كثير من العارفين في الشأن اليمني أن تعقيدات المشهد السياسي هناك تفرض حالة من الحذر الشديد عند الإقدام على أي خطوة ذات مغزى سياسي لمنع حدوث أي نوع من التصدعات التي قد تضعف الجبهة المناهضة للانقلاب وتخلط كثيرا من الأوراق في هذه المرحلة على الأقل.
في الوقت ذاته لا يبدو أن مليشيات الحوثيين تضيع وقتاً أو تنتظر أحداً أو حالةً ما، فهي ذاهبة بإصرار في إحكام قبضتها منفردة على كل مؤسسات الدولة، مستكملةً يوما بعد آخر عمليات التغيير الممنهج التي تخدم ما تسميها بسلطة الأمر الواقع، وتكريس وجودها بصورة مستدامة بغض النظرعن مشروعات السلام ومصير «مشاورات الكويت»، أو «لقاءات ظهران الجنوب». كما أنها تمارس، إلى جانب ذلك، سلطانها المطلق على المؤسسة المالية الحيوية المتمثلة بالمصرف المركزي اليمني، الذي يستقبل كل الإيرادات والتحويلات النقدية، ويتعامل مع المؤسسات المالية الخارجية ويغذي نشاطات الدولة المفترضة، ويتم تسخير أكثر من ثلث الموازنة العامة للمجهود الحربي بشكل رسمي وعلني، بعد استنزاف الطاقة النقدية الاحتياطية، ناهيك عن استغلال مصادر محلية عديدة، بل يستخدم البنك المركزي للاملاءات المالية، وفقا لاهداف الحرب الداخلية فيعطي من يشاء ويمسك عمن يشاء وهو سيد السلطات وأكثرها نفوذاً.
ومع أن العالم لا يعترف بسلطة الانقلاب، إلا أنه لا يتعامل مالياً مع اليمن إلا عبر بنكه المركزي، حتى أن هناك ضغوطا دولية على «الحكومة الشرعية» لبيع النفط المخزون في ميناء الضــبة/حضوموت وغيره، المتراكمة منذ اندلاع الحرب، وتوريد عوائدها إلى بنك صنعاء المركزي، وهي مفارقة صادمة تكتمل خلالها اجتهادات المجتمع الدولي في التعامل العملي مع مشروع الانقلاب، فالبنك المركزي لم يعد بنك الدولة لأن الدولة في الأساس مختطفة ومتهتكة والمدن موزعة والساحات متفرقة ومتقاتلة.
اليمن عجيب ومدهش في سلمه وحربه وهناك حقائق كثيرة على أرضه خارج السياقات المألوفة في بلدان المشرق العربي، فقد عاش المجتمع تاريخا طويلا تحكمه الأعراف والعادات، وظل يرزح تحت سلطة لا تقيم وزناً لبناء مرتكزات الدولة، بل صرفت جل وقتها وجهودها في إعداد الجيوش الموالية للطبقة الحاكمة من دون أن يكون هناك حضور قوي ودائم لمؤسسات الدولة وأجهزتها في حياة المجتمع إلا بما تقتضيه الضرورات الرسمية. وهكذا نشأت بيئة تجمع بداخلها مفارقات كبيرة وتصلبت على أرضيتها رواسب سميكة لمراحل ما قبل الدولة، وحين حدث الاستيلاء على الدولة الهشة في مرحلة انتقالية حرجة، وتم كشط شريط «العقد السياسي الرخو» الذي حاولت تأسيسه المبادرة الخليجية، انكشفت التراكمات بصورة عنيفة، وتداخلت أمور كثيرة على مستويات مختلفة، وصنعت مشهداً سرياليا شائكاً يقف أمامه رواد العلوم السياسية وعلماء الاجتماع عاجزين عن استخدام أدوات التحليل المنهجي، من دون فهم عميق لتاريخ مكتظ بالاحداث والمفارقات.
لهذا فإنه من الطبيعي أن تكون هناك فراغات واسعة في مشهدية الصراع والحرب الدائرة رحاها، تفضي إلى ظهور ما يمكن تسميته باللغز اليمني المحير الذي يحتاج إلى اجتهادات عميقة لفهمه.
٭ كاتب يمني
أحمد عبد اللاه