«من علمني حرفا أخلصت له ودّا وحفظت له الجميل»

حجم الخط
4

« من علمني حرفا أخلصت له ودّا وحفظت له الجميل». يبدو أن هذا القول المأثور قد رسخ في عقل ووجدان الكاتب والإعلامي الأستاذ محمد كريشان فحبر مقالا في «القدس العربي» بتاريخ 12 يوليو/تموز 2017 عدّد فيه خصال أستاذه للغة العربية في الأقسام النهائية في مدينة صفاقس(1) سنتي 1976 و1977 رغم مرور أربعة عقود على هاتين السنتين ورغم أن الرجلين لم تفرق بينهما الأيام فقط بل الأراضي والبحور.
خرج محمد كريشان عن صمته ليناجي أستاذه :

لئن بعدتم وحال البحر دونكم
لبين أرواحنا في النوم زورات(2)

مؤكدا على أنه بالرغم من عدم لقائه بأستاذه لمدّة أربعين عاما فإنه إلى يوم الناس هذا لا يخط حرفا في أي موضوع يهم بالكتابة فيه إلّا وكانت شخصية أستاذه محمد المعالج حاضرة أمامه ووصيته المشهورة التي كان لا يفتأ يذكّر بها تلاميذه والمتمثلة في وضع هيكل عام للنص الذين يعتزمون الكتابة فيه ومخطّط عام لجوهر هذا النص صلب عينيه.
كما تحدّث الإعلامي محمد كريشان عن صولات وجولات أستاذه محمد المعالج داخل قاعة الدرس في معالجة مقاطع نصيّة من كتاب «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري ومن كتاب «طوق الحمامة» لابن حزم ومن كتاب «الإمتاع والمؤانسة « لأبي حيان التوحيدي وغيرها من النصوص يمرّرها بكل ثقة وعجرفة محببة ينهل من المعين المسجور الذي اكتسبه دون أن يستعين بورقة أو مذكرة.
و توقّف صاحب المقال أيضا عند خاصية تميز بها أستاذه ألا وهي عدم الخلط بين التفاني في تقديم الدروس والحديث في السياسة حيث لم يكن يحاول الأستاذ محمد المعالج الخوض مع تلاميذه في أي شأن سياسي محلي أو وطني مع أنه كان أحد كوادر الحزب الحاكم (الحزب الاشتراكي الدستوري بزعامة الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة) وتحمل مسؤوليات حزبية مما زاد في احترام ومحبة التلاميذ له في وقت تميّز بكره الشباب للسلطة والرغبة في التمرد عليها.
و قد نما إلى علمنا عن طريق الإعلامي القدير الدكتور زهير بن حمد أنه وضع مقال محمد كريشان بين يدي الأستاذ محمد المعالج، فتعلقت بنا الرغبة كي نعرف مدى تجاوب الأستاذ مع ما كتبه عنه تلميذه الذي جاءه منذ أربعين عاما ونيف يسعى إليه لطلب العلم في قطوف دانية، وتمّ اللقاء بيننا وبين السيد محمد المعالج الذي أدلى بما يلي:
« أوّلا قرأت المقال وكان مقالا جيّدا بتفاصيل الكلمات والحروف، وأوّل انطباع غمرني بعد قراءته أنني حمدت الله سبحانه وتعالى على أنه مازال بعض التلاميذ – الذين أصبحوا اليوم في مراتب عليا في المجتمع – يعترفون بالجميل لمن درّسوهم، ومحمد قد توقف عند كلّ الجزئيات في تعاملي مع حصة الدرس.
كان ذكيّا بحق واستطاع الإيجاز في غير عجز والإطناب في غير خطل وجمع كلّ المعلومات وحتى حركاتي داخل القسم حينما كان يتلقى الدروس من عندي. وللعلم فإنني لم أدرّس في حياتي إلا الأقسام النهائية. واستطاع محمد أيضا في مقاله أن يبلّغ حاجته بأهون سعيه حينما تحدّث عن تجوالي بين الصفوف دون ورقة ولا كتاب ولا شيء آخر، فكلّ ما كنت أقوله كان ارتجاليا ويعود ذلك إلى أنني كنت أحضر درسي جيدا فلم أكن في حاجة إلى مذكرات.
كما توقف محمد عند إلحاحي – ولعلّ هذا ما بقي راسخا في ذاكرته – على ضرورة اكتساب التلميذ للمنهجية وهذا فعلا ما كنت أريد أن يصل إليه تلامذتي لأنني كنت مصرا بحق على أن يكون تلميذي قادرا على الاستقراء والاستنتاج ولست في حاجة إلى أن يكتب لي مقالا سرديا من قبيل « هذه بضاعتكم ردّت إليكم».
وبالمناسبة كنت لا أعير اهتماما للتلميذ الذي يجلب معه ورقة أو يفتح كراسه أو كتابه ليغش في الامتحان ولا يهم حتى أن أخرج من قاعة الدرس وأكلف أحد القيّمين بعملية مراقبة الامتحان، فالمنهجية هي الفصل بين العدد السيء والمتوسط والحسن وليست كثرة المعلومات والكلام المنمق والعبارات المزوقة. والحمد لله أن الأيام أثبتت أن ابننا الإعلامي التونسي محمد كريشان الذي نفتخر به قد اكتسب فنون المنهجية في الكتابة التي درّسناها في القسم والدليل على ذلك المنصب الذي ارتقى إليه فقد اقتحم ميدان الإعلام بكل ثقة وثبات وحقق أشواطا نعتز بها كتونسيين بفضل صدقه وإخلاصه لعمله. وأكثر من ذلك فإني أتمنى أن يتجاوز هذه المرتبة فهو جدير بذلك ونرجو له كلّ الخير.
كما أكبر في محمد كريشان اعترافه بالجميل لشخصي المتواضع وخاصة أنه لا يوجد بيننا في صفاقس أو في إحدى مدن تونس، فضلا عما يتطلبه منصبه من وقت وما تحمّله مشاغله من مسؤوليات دقيقة لكن الشيء من مأتاه لا يستغرب.
في الأخير لا أخفي أنني قد أخذتني العزة حينما اطلعت على المقال وشعرت بهذا الاعتراف بالجميل من صحافي أتنبأ له بمصير لا يقل عن مرتبة صحافينا محمد حسنين هيكل، وقد قمت بطبع المقال ووضعته في إطار داخل بيت نومي وأهديت نسخة لكل واحدة من بناتي الثلاث. إني متشوق لرؤية محمد والسلام.»
خرجت من المقهى وأنا على يقين أن الأستاذ والإعلامي محمد كريشان يردّد في وجدانه وعاطفته الجياشة ما أنشده فنان تونس لطفي بوشناق (3)

علمني علمني
سيدي سيدي
علمني وخذ بإيدي
علمني نقرا ونكتب
علم وامتحن وأدّب
مهما كان صعب امتحانك
الدنيا امتحانها اصعب
علمني وإيدك في إيدي
خليك معايا يا سيدي
جناح الأيام
يطير بيا وبيك
في كل زحام
يسألني عليك
نتمنى نرجع لصحابي
لقسمي وكراسي وكتابي
والدنيا تغني على بابي
وأنا خالي البال
صغري موال
علمني علمني
سيدي سيدي
علمني وخذ بإيدي
علمني نرد جميلك
على صبرك وسهر ليلك
مهما نوّر قندايلي
أنا نوري من قنديلك
علمني وإيدك في إيدي
خليك معايا يا سيدي
جناح الأيام
يطير بيا وبيا
في كل زحام
يسألني عليك
نتمنى نرجع لصحابي
لقسمي وكراسي وكتابي
والدنيا تغني على بابي
وانا خالي البال
صغري موال
علمني علمني
سيدي سيدي
علمني وخذ بإيدي
علمني علمني
سيدي سيدي
علمني وخذ بإيدي

كاتب وصحافي تونسي

————————————————–
(1) صفاقس هي إحدى المدن في الجمهورية التونسية وهي مسقط رأس الإعلامي محمد كريشان
(2) قصيدة «خراب القيروان» للشاعر التونسي علي الحصري
(3) أغنية «علمني سيدي» كلمات الشاعر التونسي آدم فتحي وغناء الفنان التونسي لطفي بوشناق

«من علمني حرفا أخلصت له ودّا وحفظت له الجميل»
عن الإعلامي التونسي محمد كريشان
مصدق الشريف

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية