في 26 نيسان/أبريل 1937 قصفت طائرات «لوفت وافا» وسلاح الجو الايطالي البلدة الصغيرة غارنيكا في الباسك في اسبانيا. وقد تسبب ذلك بموت مئات الاشخاص بسبب توجيه النيران نحو المدنيين.
النتائج الفظيعة للهجوم على غارنيكا أحدثت زعزعة في العالم. وفي اماكن كثيرة خرج الآلاف للتظاهر. وصورة فابلو بيكاسو «غارنيكا» حصلت على انتشار واسع في العالم. ولكن رغم الزعزعة قررت الدول الديمقراطية ـ الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ـ البقاء على الحياد، رغم أن المانيا وايطاليا تدخلتا في الحرب الاهلية الاسبانية بشكل فاعل لصالح الفاشيين.
بالنسبة لهتلر وموسوليني كان ذلك قرارا سهلا. فقد اعتبرا فرانكو شريكا ايديولوجيا وكانا متحمسين لاختبار السلاح واستراتيجية الحرب الجديدة. الديمقراطيات الغربية في المقابل ارتدعت عن التدخل لصالح الجمهوريين، بسبب الشيوعيين الكثيرين الذين قاتلوا في صفوفهم، والدعم الذي حصل عليه الجمهوريون من ستالين. وقد قررت البقاء خارج الصورة. وهذا ضمن انتصار الفاشيين.
خلافا لغارنيكا، فإن حلب في سوريا هي مدينة كبيرة، بلغ عدد سكانها مليوني انسان قبل بدء الحرب. في المعركة في حلب يتصارع جيش الاسد، بمساعدة إيران وحزب الله، مع المتمردين.
وفي حلب ايضا مثل غارنيكا يُقتل المدنيون بشكل أكبر بكثير. فقد قتل عشرات الآلاف وهرب مئات الآلاف من المدينة. استراتيجية الاسد لا تعتمد فقط على تجاهل اصابة المدنيين، بل ايضا الحاق الضرر المتعمد بهم على أمل أن ذلك سيمنحه التفوق التكتيكي. والطريقة المفضلة لديه هي استخدام براميل المتفجرات التي تلقيها المروحيات على الاحياء السكنية والمستشفيات والمدارس.
في ايلول 2015 قرر بوتين أن يأتي لمساعدة الاسد. وقد اضاف إلى المعركة التكنولوجيا العسكرية الروسية الاكثر تقدما: طائرات هجومية، صواريخ، سلاح جديد. ولم تكتف روسيا بقصف الاهداف العسكرية. فمنذ انضمامها للحرب زاد عدد الضحايا المدنيين بشكل كبير. وفي ايلول/سبتمبر 2016 انضمت روسيا إلى المعركة في حلب.
لا يمكن المقارنة بين عدد المصابين في غارنيكا وبين عددهم في حلب. فالهجوم على غارنيكا استمر ساعات معدودة، أما الحرب في حلب فتستمر منذ سنوات. ويضاف إلى ذلك أن قدرة التكنولوجيا العسكرية الحديثة على القتل، التي يتم استخدامها في حلب، أشد قوة من التي استخدمتها الطائرات الالمانية والايطالية في قصف غارنيكا. ورغم ذلك هناك قاسم مشترك بين المعركتين وهو أنه في الحرب الاهلية في اسبانيا قررت الديمقراطيات في الغرب عدم التدخل. والآن ايضا هي تقف جانبا وتسمح باستمرار القتل.
الى أين يؤدي الوضع الحالي؟ هذا يتعلق بالطبع بالسياسة التي سيتخذها زعماء العالم الحر في الأشهر القادمة. ونحن نعرف ما الذي تسببت به سلبيتهم اثناء الحرب الاهلية في اسبانيا: اتفاق ميونيخ مع هتلر في العام 1938، الذي كان المقدمة للحرب العالمية الثانية.
اليوم ستنتخب الولايات المتحدة رئيس أو رئيسة. وعندما يدخل الفائز إلى المكتب البيضوي سيكون هناك قرار للتدخل أو عدم التدخل في الحرب السورية. وتوجد على الملف كلمة «مستعجل». نأمل أن يكون الرئيس الجديد الذي هو القائد الاعلى للسلاح الاقوى في العالم، على استعداد لمواجهة هذه المشكلة. والطريقة التي سيتم فيها ذلك ستؤثر إلى درجة كبيرة على كل العالم.
هآرتس 8/11/2016