من فشل في تونس… الديمقراطية أم الانقلاب؟

■ حين انفض اجتماع مجلس الوزراء وخرج الناطق الرسمي باسم الحكومة في السادس من الشهر الجاري ليعرض على الصحافيين تقريرا حول مآل المداولات، ترقب الجميع ما الذي سيقوله خالد شوكات عن التدخل المفاجئ لقوى الأمن قبل يومين من الاجتماع، لفك اعتصام نفذه بعض شباب جزيرة قرقنة جنوب شرق تونس، امام مقر شركة لإنتاج الغاز ثم في الطريق العام، بعد أن بدأت بعض الأصوات تشير إلى حصول تجاوزات خلال العملية.
وبدون مقدمات وبشيء من الثقة والصرامة أكد المسؤول الحكومي «أن الدولة ماضية في تطبيق القانون وإعادة العمل في مواطن الثروة بكافة الوسائل التي يتيحها لها القانون». مضيفا أن» المؤسسة الأمنية تصرفت في حدود القانون وبأكبر قدر من ضبط النفس وأن ما وقع كان ضروريا، بعد فسح المجال للحوار مع المعتصمين لأكثر من سبعة وسبعين يوما». لكن ما حصل هو أن محاولة تطبيق القانون تلك كانت كارثية ومذلة بكل المقاييس، فقد أعلن بعد عشرة ايام من المواجهات عن سحب كل قوات الأمن من الجزيرة النائية وشبه المعزولة والاقتصار فقط على وجود محدود لبعض الوحدات العسكرية داخلها، والأهم من ذلك الإذعان لواحد من المطالب المهمة للمحتجين وهــــو، الإفراج عن اربعة من المتهمــــين بأعمال العنـــف خلال المواجهـــات. وسرعان ما عاد الحديث مرة أخرى عن ضرورة فتح قنوات الحوار وايجاد الحلول السلمية والسريعة لازمة الشباب العاطل، والابتعاد عن الحلول الأمنية التي لا طائل منها، وتوارت دعوات انفاذ القانون وفتح الطرقات والسماح للعمال بالوصول إلى مقرات أعمالهم وتأمين نشاط شركة الغاز إلى ذيل قائمة الأولويات.
لقد كان الأمر بمثابة الاختبار القاسي لديمقراطية مبتورة سقطت في فخ الرغبة في بسط سيطرتها ونفوذها ودحر محاولة جديدة للتمرد، بدون أن تدرك أن الوقت والظرف والجهوزية أيضا لم تكن كلها مناسبة لمثل تلك الخطوة الجريئة والدقيقة. وربما كان انقياد الحكومة وراء إشارات مظللة ومغلوطة أرسلتها جهات وازنة تملك تأثيرا واضحا على الأحداث، هو الذي جعلها تثق في أن الطريق باتت مفتوحة وسالكة حتى تنفذ القانون وتستعيد الهيبة المفقودة، لكنها تركت في المنتصف وحيدة بلا سند أو ظهير، وفي مواجهة شباب ملتهب ومشحون للآخر. والغريب انه عكس ما حصل في يناير الماضي، حين ضربت موجة من الاحتجاجات مناطق مختلفة من تونس لم تهتم وسائل الإعلام المحلية هذه المرة لا بقضية البطالة ولا بمشاغل سكان الجزيرة، بل فقط بالقمع الوحشي لقوات الشرطة للاعتصام. غير انه في كلتا المناسبتين ظل تشخيص السلطات للأزمتين متطابقا، فقد اقر رئيس الحكومة في كلمة ألقاها في مجلس نواب الشعب، خلال جلسة حوار حول احداث القصرين بأن «الوضع صعب لكن للحكومة عزيمة وإرادة حقيقية للتقليص من ازمة البطالة». وأكد ايضا على أن «الاحتجاجات السلمية المشروعة للشباب الذين خرجوا للتعبير عما يخالجهم، كانت فرصة لدخول مندسين على الخط للاعتداء على الشعب، وأن بعض العصابات الارهابية استغلت الوضع وبثت سمومها وأخرجت بلاغات، معتقدة انه آن الأوان لانهيار الدولة والانقضاض عليها. وظن البعض أن الفرصة لتغيير النظام حانت، لكن الامن والجيش والمجتمع المدني والأحزاب السياسية تصدت لهم». وكان لافتا أنه عاد الآن بعد ما جرى في قرقنة ليتهم بقدر اكبر من الوضوح والصراحة، وفي تصريحات إعلامية كلا من الجبهة الشعبية اليسارية وحزب التحرير الإسلامي بالوقوف وراء أعمال العنف والمواجهات بين قوى الأمن والأهالي في الجزيرة. حالة التطابق تلك تكشف أن هناك اسبابا دفينة وعميقة للأزمات التي تطفوعلى السطح مرة وتنتكس وتخفت مرات اخرى، حسبما يراه المخططون والصناع مناسبا لأهدافهم ومصالحهم.
ومن الواضح أن مشاكل بلد منهوب ومنكوب تمثل مخزونا استراتيجيا مهما يستغله هؤلاء لتأجيج الاحتجاجات وتحويلها كل مرة إلى مطالب سياسية راديكالية وعبثية، بإسقاط النظام، بدون أن تكون لهم رؤية أو تصور للمرحلة التي تلي ذلك. وليس هناك شك في أن المستهدف الاكبر بالنهاية هو التجربة التونسية التي استطاعت رغم الهزات العنيفة التي ضربتها والنكبات التي أصابت باقي دول الاقليم، أن تثبت قدرتها على الصمود والبقاء بصعوبة على قيد الحياة. لكن ما يطغى على الجزء الأكبر من الصورة وما يراه الناس هو فقط ذلك القتال الشرس حول المواقع المفصلية والحساسة في الدولة، التي يحتدم الصراع حولها ولا يكاد يمر يوم إلا وتظهر فيه في عناوين الصحف المحلية أخبار وتأكيدات حول الأيام المعدودة للصيد في القصبة، إما بسبب وضعه الصحي أو لما سمته صحيفة محلية قبل ايام بالحرب الباردة بينه وبين السبسي، أو حول تغيير وشيك لمحمد الناصر في البرلمان، وحتى في بعض الأحيان حول السباق الخفي لخلافة قائد السبسي نفسه. أما التوصيف الذي اختاره الرئيس لتلك الحرب فهو «الارهاب الذهني» الذي اتهم الجبهة الشعبية اليسارية، وهي فصيل معارض، بممارسته على الحكومة ورئاسة الجمهورية قائلا في حوار إذاعي مباشر، إن الجبهة «لا تمثل الا جزءا صغيرا من تونس» ولا تخرج إلى الشارع مع باقي احزاب المعارضة إلا «لغاية في نفس يعقوب» وفقا لتعبيره. لكن الأمر لا يتعلق فقط بالضغط النفسي أو الذهني، كما عبر عنه الباجي، الذي يتم عبر قصف اعلامي مركز يستهدف التشكيك في قدرة الحكومة على التحرك السريع والناجع لحل قضايا ومشاكل لا أول لا ولا آخر بل في ممارسة أشكال من الابتزاز ولي الذراع من خلال تعطيل الإنتاج وإرباك الاقتصاد بالاعتصامات والاضرابات، رغم كل ما قيل حول الاتفاق على ما وصف بالهدنة الاجتماعية، التي اعقبت اقرار زيادات مهمة في أجور العمال والموظفين. الأخطر من ذلك أن محاولة التقويض صارت تتم من داخل الائتلاف الحاكم، وصار الناس يلحظون أن النيران الصديقة أصبحت أشد فتكا من نيران الخصوم التقليدين. الدليل الحديث على ذلك ما جرى قبل ايام، فقد وصف احد النواب المستقلين بالبرلمان المصادقة الثلاثاء قبل الماضي على قانون النظام الاساسي للبنك المركزي بـ»الفضيحة الكبرى» بعد أن مر القانون بفارق صوت واحد وكاد يسقط بعد أن صوت بعض نواب حزب «آفاق تونس» الحاكم ضده، وأعلنت رئيسة كتلته البرلمانية في تصريح اعلامي عن «إمكانية ميلاد جبهة برلمانية جديدة تضم نواب كتل آفاق ونداء تونس والحرة والاتحاد والوطني الحر والمبادرة»، واصفة الفكرة بأنها تهدف إلى «إعادة التوازن داخل مجلس نواب الشعب». وإذا أضيفت إلى كل ذلك تصريحات رئيس حزب آفاق الذي هو في الوقت نفسه وزير التنمية والاستثمار في الحكومة الحالية، التي قال فيها إن «الوضع العام في البلاد سيئ» وأنه بات من الضروري إدخال تعديل على الحكومة، فإن ما يعنيه ذلك ليس فقط أن الائتلاف الرباعي الحاكم بات مهددا بالتفكك القريب، بل إن قدرة التجربة الديمقراطية على الصمود مجددا بوجه الهزات الداخلية والخارجية التي قد تضربها في المستقبل باتت على المحك، فرغم انها استطاعت أن تنجو بنفسها وتحفاظ على حد ادنى من التماسك والثبات فان الديمقراطية التونسية لا زالت رخوة طرية العود وفاقدة لديمقراطيين يستطيعون الدفاع عنها بقوة وشراسة أمام محاولات الانقلاب والنكوص عنها، فيما يقف الانقلابيون واعداء النموذج التونسي في التعايش والوفاق على أهبة الاستعداد لتصوير فشلهم في إسقاطه على أنه إخفاق وخلل في ديمقراطية لم تجلب للتونسيين بنظرهم سوى مزيد من الفقر والبؤس. ولأن اصواتهم هي الأعلى والاكثر جلبة فانهم يصرون دوما على ربط كل فشل بالديمقراطية متغاضين عما فعلته وخلفته عقود الاستبداد. والتحدي الأكبر الذي تواجهه تونس هنا هو كيف تقنع الناس بالتحول من صف المتفرجين على الديمقراطية إلى صف المدافعين والمتحمسين لها. ولا يبدو أن تلك المهمة سهلة أو بسيطة مادام الفارق بين الاقوال والافعال لا يزال على حاله شاسعا، كما اثبتت ذلك تصريحات الناطق الرسمي باسم الحكومة ثم افعال السلطة ومواقفها في اعقاب احتجاجات الجزيرة الصغيرة والنائية.

٭ كاتب وصحافي من تونس

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية