من قتل راسبوتين… كيف ولماذا؟

حجم الخط
3

كان عام 1916 كارثة لروسيا فهوالعام الثالث من الحرب العالمية الأولى فقد بدأت أحوالها في الانهيار على جميع الأصعدة، وبشكل خاص من الناحية العسكرية، نظرا لتقهقر قواتها وخسارتها للأراضي.
وكالعادة فقد انتشرت الاشاعات بين الجنود وإحداها أن ألمانيا أعطت مليار روبل للحكومة الروسية لعمل اللازم لقتل أكبر عدد من الجنود الروس. وازداد التذمر في روسيا إلى درجة أن قوى الأمن أصبحت عاجزة عن معاقبة الذين يتفوهون بعبارات مهينة تجاه الدولة والقيصر وعائلته، وأخذت مجالس المدن تجتمع مطالبة بتغيير الحكام وتعيين حكام أقوياء. وكانت بؤرة النقد والتذمر هي القيصر نيقولا الثاني (1868 – 1918) وزوجته أليكساندرا (1872 – 1918) و»قوى الظلام». فالقيصر كان بعيدا جدا عن العاصمة منذ 1915 حيث انتقل إلى مدينة موغيليف ليتولى قيادة القوات الروسية بنفسه، تاركا زوجته في القصر الملكي في ضواحي بتروغراد، وكان الاعتقاد الشائع أنها تقوم بإدارة البلاد في غياب زوجها القيصر، وقد اعتاد الناس على تسميتها بالمرأة الألمانية، لأنها كانت في الحقيقة أميرة ألمانية قبل زواجها من القيصر. وقالوا إنها تمتلك خطا خاصا ومباشرا مع ألمانيا تبلغهم بآخر المستجدات في روسيا، وأنها تحت السيطرة التامة لقوى الظلام.
وفي الواقع أن الاتهام كان باطلا، بل أن زوجة القيصر كانت تبالغ في محاولاتها لإثبات إخلاصها لزوجها وروسيا، حتى أنها كانت تعمل أحيانا مع بناتها كممرضات متطوعات في مستشفى روسي. وبسبب هذه العوامل فقد كان من الطبيعي أن ينجح الشيوعيون في القيام بانقلابهم لتدخل روسيا عصر الظلام.
و»قوى الظلام» في رأي رجل الشارع التي تركزت عليها صيحات التذمر، بشكل خاص، كان شخصا واحدا فقط، الذي أصبح أسطورة في روسيا آنذاك ولا يزال كذلك حتى الآن وهوغريغوري راسبوتين (1869 – 1916)، رجل الدين المجنون والبالغ الثراء، الذي كان يسيطر على عقل زوجة القيصر ويمارس الجنس معها ومع بناتها، وكل شابة جميلة في روسيا، وهوالذي يعين الوزراء ويحدد سياسية البلد، حسب زعم الناس. والمشكلة هنا أن كل هذا كان محض أكاذيب وإشاعات. ولكن من كان راسبوتين هذا ولماذا كل هذه الجلبة حوله؟ ولد راسبوتين عام 1869 في قرية في سيبيريا وتكونت أسرته من الفلاحين الفقراء، ومثل بقية سكان القرية فلم يكن يجيد أي منهم القراءة والكتابة، كما تميزت القرية بوجود عدة عوائل تحمل اسم راسبوتين.
بدأ راسبوتين فلاحا وعرف بمزاجه الشرس، إلا أنه تبنى بعد ذلك اتجاها آخر وهوالدين، فقد تحول إلى ناسك متجول بدون أن ينضم إلى الكنيسة الأرثوذوكسية، ولذلك فإنه من الناحية الرسمية لم يكن رجل دين، أما من ناحية الجنون فإنه لم يكن مجنونا بل حاد الذكاء، مستغلا بلادة الجهلة واليائسين حوله، فقد ادعى أنه يشفي الأمراض ويتنبأ بالمستقبل، وأخذ يمثل دور الناسك الزاهد المتجول، ويقال إنه اتبع طريقة دينية كانت تؤمن بأن التقرب إلى الخلاص يتم عن طريق ارتكاب الخطايا، وفي القرن التاسع عشر كانت الأمراض الخطيرة منتشرة، والطب متخلف، وكان اليائسون يتشبثون بكل خرافة علها تريحهم من أمراضهم، وإحدى هذه الخرافات هي الاستعانة بأمثال راسبوتين، وقد يتحسن حال المريض أحيانا بالصدفة بوجود راسبوتين، فيعتقد الناس انه السبب في التحسن، فيشتهر ويبرز في المجتمع.
وهكذا استمر اسم راسبوتين في الصعود حتى وصل إلى الطبقات الأرستقراطية في روسيا، ومن ثم عائلة قيصر روسيا التي كانت تعاني من مشكلة عجز الأطباء عن حلها، وهي كون ابنهم الوحيد ووريث العرش الروسي مصابا بمرض عدم تخثر الدم الوراثي، وقد أكد الأطباء موته الوشيك. ويقال إن راسبوتين أرسل رسالة إلى زوجة القيصر يؤكد فيها أن ابنها لن يموت قريبا، وعندما لم يمت الطفل اعتبرت الأم المسكينة راسبوتين سببا لذلك. وهناك من يقول إن سبب نجاح راسبوتين هوقيامه بإيقاف إعطاء الطفل الدواء الذي أوصى به الأطباء، الذي لم يكن سوى الأسبرين الذي في حقيقة الأمر كان يزيد الحالة سوءا، لأن من خصائصه منع تخثر الدم وليس العكس كما كان يظن الأطباء آنذاك. ولذلك اعتقدت الأم أن بقاء راسبوتين إلى جانب طفلها ضمانا لبقائه حيا، وكانت هذه بالنسبة لراسبوتين فرصته للاختلاط بقمة المجتمع الروسي. وقد أصبح راسبوتين شخصية شهيرة جدا في جميع أنحاء روسيا، والشغل الشاغل لمجتمع العاصمة المخملي، خاصة أن الجميع اعتقد أن زوجة القيصر تنفذ كل ما يريده هذا الرجل، وفي الحقيقة أن التاريخ يشكك في هذا، إلا أنه من الممكن أن راسبوتين هوالذي أعطى هذا الانطباع، ليصبح مهما بل مهما جدا، وبذلك أراد الجميع حظوته ورضاه، خاصة النساء، وعرف كيف يستفيد من كل هذا، إلا أن علاقته بنساء العائلة الحاكمة لم تصل أبدا إلى المستوى الذي اعتقده الآخرون، وكان الكثير من الموظفين والنبلاء يقابلون زوجة القيصر أكثر من راسبوتين، لأنه كان يقابلها مرة أومرتين في الأسبوع فقط، وكان لا يهتم بالمال إطلاقا فلم يحاول أن يكون ثريا وسكن في شقة بسيطة الأثاث في العاصمة مع ابنتيه اللتين كانتا على علاقة وطيدة به، وكان كريما مع الجميع. إلا أن هذه الشهرة جعلته رمزا وسببا لكل ما هوسيئ في البلد واتهمته العامة بتعيين الوزراء السيئين والسيطرة على السياسة الخارجية، بل وصل الأمر إلى اتهامه بأنه عميل ألماني. على الرغم من أن المؤرخين مثل المؤرخ البريطاني برايان موينهان في كتابه «راسبوتين: القديس الذي ارتكب الخطيئة» يؤكدون أنه كان ضد الحرب وطالب القيصر بالانسحاب منها.
كان أحد الذين استعانوا براسبوتين للعلاج أميرا يدعى فليكس بوسولوف (1887 – 1967) وكان ينتمي إلى إحدى أغنى العوائل في روسيا، بل إنها كانت أكثر ثراء من عائلة القيصر نفسه، ومتزوجا من ابنة أخت القيصر وقام في أحد الأيام بدعوة راسبوتين لحضور حفلة في قصره ليلة التاسع والعشرين من كانون الأول/ديسمبر 1916. وذهب الأمير إلى شقة راسبوتين لإحضاره إلى القصر بسيارته الخاصة. وبدأت الحفلة جيدا ولكن ما حدث بعد ذلك يختلف حوله المؤرخون، فالقصة الشائعة هي أن صاحب الدعوة كان قد وضع كمية كبيرة من سم السيانيد في طعام وشراب راسبوتين، إلا أن الأخير لم يشعر بشيء وسكر بسبب الكحول وعندئذ أطلق أحدهم النار عليه من مسافة قصيرة مسببا سقوطه على الأرض ثم نهض وضرب أحد مهاجميه وحاول الهرب إلا أنه سقط بعد أن أصيب برصاصة ثانية لم تصرعه أيضا وأخيرا أطلقت رصاصة ثالثة على جبينه من مسافة قصيرة جدا لتنهي حياته وهوفي السابعة والأربعين من العمر، ثم قام المتآمرون بلف الجثة ونقلها بالسيارة ورميها في النهر. وفي اليوم التالي بدأ التحقيق في سر اختفاء راسبوتين وتم تحديد القتلة بسرعة، ووضع الأمير وأحد رفاقه تحت الإقامة الجبرية فورا. وبعد يوم من مقتله عثر على الجثة طافية في النهر، وتم تحديدها وكان الضحية الأولى وزير العدل الذي فصل لاتهامه بإعاقة التحقيق، ولكن بعد أسبوع من عملية القتل أمر القيصر بإيقاف التحقيق وغلق ملفه ومنع الإعلام من التحدث عن الموضوع، وأمر بنفي الأمير، الذي اعترف بجريمته وشريكه. والمشكلة في القصة هي نقاط الضعف فيها، فكل من كان في الحفل أعطى قصة مختلفة ومن غير المعقول أن السيانيد يفشل في قتل راسبوتين، الذي كان في وضع صحي سيئ، خاصة أن الكمية كانت كافية لقتل عدة رجال، بل أن الطبيب الشرعي الذي شرح الجثة صرح بعدم وجود أثر للسم فيها، كما أكد وجود آثار ضرب عنيف على الجثة، وأن الرصاصات الثلاث أتت من مسدسات مختلفة، ولكن السؤال المحير هوالدافع الذي دفع بالأمير لقتل راسبوتين، فقد ادعى حينها أن الدافع كان فجور راسبوتين، الا أن من يدرس حياة الأمير يجد أن فجوره هوكان أسوأ من أي شيء فعله راسبوتين، ثم غير الأمير قصته وادعى أن السبب كان حماية الوطن منه، وهذا أسوأ من السبب الأول، لأن الأمير كان أبعد الناس عن أي شعور وطني، وهل كان الأمر يستدعي مؤامرة تحوكها مجموعة من النبلاء لم يعرف أي منهم بالاستقامة أوالوطنية؟ وإذا كانوا سيقتلونه بأسلحة نارية، لماذا ضربوه بشكل وحشي ولماذا أوقف القيصر التحقيق وكل هذه التساؤلات تحتاج إلى إجابات. ويرى بعض المؤرخين أن القصة الشائعة والمذكورة أعلاه عن مقتل راسبوتين غير صحيحة، ويقدمون وجهات نظر مختلفة، وأشهرها أن شخصا غير روسي كان موجودا في الحفلة وأنه ربما اشترك في القتل. ولا نعلم الحقيقة، ولكن هذه تساؤلات نتمنى أن يجيب عليها المؤرخون في المستقبل.

زيد خلدون جميل

من قتل راسبوتين… كيف ولماذا؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية