نشيدا للأحرار أنشده يسوع الناصري أو السيد المسيح حينما عالج به مرضى النفوس ممن اصيبوا بالإزدواج في الشخصية بعدما أحضر معلمو الشريعة والفريسيون إمرأة وقد ضبطت بالفاحشة وقالوا له يا معلم إنا وجدناها ترتكب الفاحشة وقد أوصانا موسى في شريعته بإعدام أمثالها رجما بالحجارة، فما قولك أنت ؟
تأملوا معي وإستحضروا حالة تجمع الغوغاء والحفاة في مثل هكذا مواقف وما أكثرهم في هذه الأيام حيث تجد أن لا أحد إلا ويعتقد بقداسته وسلامة منهجه وأنه ناصع لا غبار عليه سوى الفريسة التي تقع بين أيديهم كبشا لنهش الذئاب، وهي من الظواهر المنتشرة والمستشرية في صفوف المجتمعات ومجتمعنا الشرقي له الصدارة في ذلك، فالكل يتكلم ولا من مطبق والكل يحدد بوصلة الطريق ولا من سائر والكل يحدد الخطأ ولا من تارك للخطأ إلا ما ندر، وتسمى هذه الظاهرة بمرض الإزدواج في الشخصية وهو: اضطراب نفسي حقيقي، حيث يظهر الفرد بأكثر من شخصية ( اثنتان أو أكثر) ويحدث الانتقال من شخصية لأخرى عند وجود ضغط نفسي إجتماعي شديد، ومشاكل أرقت الفرد واستولت على تفكيره وحياته وسيطرت على أركان جسمه وأضحى اسيرا للأوهام والقلق والتوتر والغضب مما يؤثر على تكوين شخصيته وحينها يتم الانتقال فجأة أحيانا بثوان او دقائق معدودة إلى شخصية اخرى قد تكون متناقضة تماما مع الشخصية الحقيقية، كأن يتحول الإنسان الخجول فجأة إلى شخص آخر جريء لا يتورع عن القيام بأي عمل آخر،أو أن تتحول الفتاه الوادعة اللطيفة إلى إعصار هائج.
وهناك تمايز وإختلاف بين النفاق الاجتماعي والإزدواج في الشخصية.
فالنفاق الاجتماعي: هو ليس نفاقا دينيا يظهر المرء فيه الإيمان ويبطن الكفر، بل هو يتعلق بسلوك اجتماعي، وعلاقات فردية، تؤثر بقوة المجتمع وتماسك أفراده، فهو مرض نفسي يعتري صاحبه، ويجعله غير قادر على التعبير بكل صراحة عما في داخله، ويسلبه القدرة على مجاراة الآخرين، والتوصل لما توصلوا إليه، فيصبح الأمل والنهوض وقوة الشخصية حبيسة الأنفاس الداخلية، تغطى بصور وشخصيات تقتل أي أسلوب يمكن أن يعبر عن حقيقته وماهيته، وبعبارة أكثر وضوحا أن النفاق هو إظهار حالة وجعلها كاشفة له بخلاف الباطن والحقيقة وهو مدرك لذلك وقاصدا لما يعمل، بينما الإزدواج في الشخصية هو تمظهر لواقع وحقيقة معينة دون شعوره وإلتفاته إليها، والإزدواج أكثر رواجا في أوساطنا الإجتماعية لا سيما في المجتمعات الدينية، فهي أكثر عرضة من غيرها لذلك، فتجد أن شخصا ما يستنكر ويشجب الطائفية بينما هو سيد الطائفيين في منطقه وسلوكه ومن حيث لا يشعر، وتجد أن الكل يستنكر حالة الفساد المستشرية في أروقة ومؤسسات الدولة ويطلق الكيف.. ولماذا.. وأخواتهما من كلمات وجمل الإستنكار بينما الكل مشترك بهذا الفساد بنسب مختلفة وكلا حسب موقعه ومن حيث عدم الشعور والإدراك لذلك!!
فقد ذكرت في مقالة سابقة على ضرورة إقامة الدولة المدنية (العدل والمساواة) بديلا عن الدولة الدينية بالمفهوم القديم وتطبيقها بالوقت المعاصر وقد برهنت من خلال الشواهد الحديثة لتطبيقها أن الدولة الدينية غير صالحة لإدارة المجتمعات في هذه الأزمنة وإنْ كانت مهمة وضرورية في تلك الأزمنة هذا في حال إعتبرنا أن طريقة الحكم آنذاك تندرج تحت عنوان الدولة حيث أن الدولة بالمفهوم المعاصر تختلف عن مفهومها القديم، وقد إعترض من إعترض ووافق من وافق وكلا على حسب نظرته للحياة وإن كان البعض يغرد خارج السرب الذي نحن فيه لكن يبقى أحسن حالا من بعض ممن يسكن في قلب الدول المدنية ويتنعم بخيراتها هو وأطفاله الذين نشأوا في تلك البلاد وترعرعوا فيها بينما هو يناضل ويدافع عن الجمهورية الإسلامية!
ويا ليته كان دفاعا فقط فلربما نتفق معه لأن له الحرية في التعبير عن رأيه لكنه ينظر وعلى مستوى خطاب جماعي!! أم ذلك الذي يقول أن مواقع التواصل الإجتماعي إنما اسست للتجسس على المجتمعات وهو له من المواقع غثاء كغثاء السيل لنشر أفكاره وآرائه!
ولا أختلف معه أن هناك تجسسا في مورد من الموارد لكن لا يعمم الحديث وننكر خدماتها للحياة البشرية، والسبب هو الإزدواج في شخصيتهم ومن حيث لا يعلمون وللخلاص من مرض الإزدواج يجب أن تتبع طرق ومناهج ذات مصداقية رفيعة تساعد في تحجيمه وإقلاعه.
أولا: ترك أو تقليل التواجد في الأماكن والمحافل واللقاءات التي تذكي ذلك وتزيد من حالة الإزدواج وتحديدا الخطاب الديني المثالي والإستماع للحديث الواقعي الممنهج.
ثانيا: أن نقوم بنقد الذات نقدا حقيقيا وليس صوريا والأفضل أن يكون الناقد لنفسه دون أن ننقدها أمام الآخرين كطريقة الدعاة الشهيرة فهي تأصل لذلك من حيث لا نشعر وهي من أصناف الرياء.
ثالثا: أقترح أن نتعلم ثقافة الجرأة النقدية وأن لا نمنع أحدا من طرح السؤال حتى وإن كان في موارد حساسة لا يحبذها المجتمع فالمهم بناء الذات بناء حقيقيا فماذا ننتفع إذا ربحنا العالم كله وخسرنا أنفسنا كما قال السيد المسيح، ولا بأس أن يكون النقد بطريقة أن هناك إشكالا أو سمعت أحدا يقول ذلك ولظرفية زمانية محددة لا مستمرة، حتى تتأصل هذه الثقافة وتتحول إلى حقيقة وثقافة إجتماعية بأن يعبر الشخص عن آرائه بكل حرية وإنسيابية مما تساهم في صدق الظاهر والباطن لا أن يتحول المجتمع لألوان عدة ومتنوعة عاكسة عن غير الحقيقة والواقع.
وإذا عدت للنشيد أعلاه ( من كان منكم…. ) وسببه نجد أن هناك موارد متعلقة به لا ينبغي أن تترك سدا دون الوقوف عندها والتأمل فيها جيدا.
أولا: إنهم أحضروا المرأة دون الرجل كما جاء ذلك في المصدر الناقل للقصة وهي نزعة إجتماعية ذكورية تضع المرأة في قفص الإتهام بخلاف الرجل الذي يفعل ما يحلو له دون حساب لحصانته الإجتماعية الظالمة، وسوف أورد عنها بحثا مستقلا لإعطاء الموضوع حقه.
ثانيا: إنهم تعاملوا مع النصوص القائلة بالرجم وأخذوها أخذ المسلمات دون تكليف أنفسهم ولو سؤالا عابرا عن صحة النص وصحة الحكم كما هو الحال عندنا الآن بالإعدامات العشوائية والرجم الغوغائي، فمجرد وجود النص في صندوق التراث لا يصبح كنزا ملائكيا.
ثالثا: لم يتبين أحد عن السبب الذي أوقعها بذلك وهل تعذر لو كان أقوى من إرادتها الضعيفة أم ننظر للفعل دون السبب فكل ما عرفوه هو إستعدادهم للرجم والتأنيب وهم أحق بالرجم والتأنيب منها.
وإذا بهم يستمعون كلاما مخالفا للأهواء (من كان منكم بلا خطيئة فليرمها أولا بحجر).
فتشتت جمعهم وتبددت كلمتهم وباؤوا بالخيبة والخسران ثم إلتفت إليها قائلا أين هم أصحاب الألسن الناقدة والأيادي الباطشة لماذا لا يرجمونك ؟ قالت ذهب الجميع، فقال: إذهبي ولا تعودي تخطئين!! فنحن بحاجة أن نذهب جميعا ولا نعود وإذا عدنا فيجب أن ننتقد ذواتنا وأعمالنا وأفكارنا وتراثنا وإلا فلنذهب ولا نعود …..
كاتب من العراق
إحسان بن ثامر