عندما كنت أتابع وقائع الجريمة النكراء التي تعرضت لها صحيفة شارلي إيبدو، من جهة؛ والطريقة التي بدأ الإعلام الفرنسي، خاصة، والغربي عموما، يقدمها ويروج لها، من جهة ثانية؛ استحضرت حدثين اثنين: يتعلق أولهما باغتيال الرسام الفنان الفلسطيني ناجي العلي، من جهة، ويتصل الثاني بالحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، من جهة أخرى.
حضرتني أولا صورة «حنظلة» تداعيا مع الرسومات الساخرة لصحيفة شارلي إيبدو، مع فارق كبير في المقارنة بين الفنان الحقيقي الملتزم بقضية شعب ووطن مغتصب، وبين صحفيي مؤسسة إعلامية لا يهمها سوى التفكير في رفع المبيعات، ولو كان ذلك على حساب مشاعر المسلمين. بل إن هذا الحساب هو الذي سيرفع تلك المبيعات. ولا أدل على ذلك، من أن إعادة نشر تلك الرسومات، في الجريدة نفسها، مباشرة بعد تلك الجريمة، سيجعلها تقفز إلى ثلاثة ملايين؟
حضرت في الوقت نفسه صورة الحادي عشر من من أيلول، لأن الطريقة التي تعاطى معها الإعلام تشبه تلك التي جرت عقب تلك الأحداث. وها هو الرئيس اليساري يتخذ صورة بوش نموذجا، ويلوح أولا بحرية التعبير، ويدعو، بعد ذلك، إلى الوحدة الفرنسية. ما الفرق بين تصريح بوش بأن العالم هو إما مع أمريكا، أو ضدها، في حربها على الإرهاب؟ ومناداة هولاند بالوحدة الفرنسية والجمهورية؟ لا فرق. غير أن ذاك استعمل أمريكا باعتبارها «الإمبراطورية» العظمى، وهذا تحدث عن «الجمهورية» بصفتها قلعة حرية التعبير. وتضامن العالم مع «أمريكا»، في حربها ضد الإرهاب، وها هي المسيرة المليونية تعلن أنها «شارلي». ومن بين من تصدر المسيرة نتنياهو الذي اغتالت دولته بصفاقة وحقد دفين فنانا عظيما، ورساما كاريكاتوريا قل نظيره على المستوى العالمي، دون أن يصرخ العالم: «أنا حنظلة». وسيظل حنظلة حيا أبدا. أما تلك الرسومات فلا قيمة لها، وهي تسيء إلى أصحابها لا إلى الرسول العظيم. وما الرد عليها سوى انجرار إلى صراع مفتعل.
استنكرت الحدث الجديد، كما استنكرت وقتها، حدث الحادي عشر من أيلول، لأني أرى أن مواجهة الآلة العالمية التي تستهدف العرب والمسلمين لا يمكن أن تتم بهذه المسالك، رغم أن العرب والمسلمين، عانوا، ويعانون، منذ الاستعمار إلى الآن، من السياسات التي تستهدف عدم انخرط العرب والمسلمين في العصر الحديث. والعمل على تركهم أبدا في غيهم يعمهون وعلى هامش العصر.
إن مفهوم الإرهاب الذي يتخذه الغرب وأمريكا، لاستهداف العرب والمسلمين ليس وليد أحداث سبتمبر. إن الاستعمار ظل يعتبر في كل تصوراته ردود أفعال الشعوب المستعمرة بأنها إرهاب. وها هي إسرائيل ما تزال تزاول السلوك نفسه تجاه كل من يعترض على سياستها الاستيطانية. فلا تفرق في اغتيالاتها وطائراتها وآلاتها المدمرة بين الفنان والكاتب والشاعر والطفل والمرأة والمقاتل، بل إنها تدمر حتى الحجر والشجر. إنها تقوم بكل ذلك باسم «الدولة اليهودية» و«الدفاع عن النفس». فما الفرق بين تلك الدولة، وهذه «الدولة الإسلامية»، أو تلك القاعدة، أو من يقبل على اقتحام مبنى جريدة، ويقتل صحافييها باسم «الثأر للرسول»؟
تروي كتب الأدب القديم أن سكيرا في بغداد مر قرب مسجد، وهو ثمل، وكان المؤذن لصلاة الفجر، فانهال عليه بالضرب. فتدخل الخارجون للصلاة ينهونه عن فعلته. فقال لهم: إن صوته رديء جدا، وهو يشمت فينا النصارى واليهود؟
الإرهاب متعدد الأوجه والأبعاد. وكما نتحدث عن إرهاب ديني يمارسه المتطرفون من المتدينين، هناك الإرهاب الفني والإعلامي والسياسي، الذي يمارسه بعض الفنانين والإعلاميين والسياسيين. إن الكاتب والفنان والإعلامي الذي لا يكتب لينتج أدبا وفنا رفيعين يخدمان البشرية، والإعلامي الذي يكتب إرضاء لسياسة تنهض على الترويج الكاذب، ليس جديرا بهذه الصفة. إنه مرتزق ومزور، وإن ادعى حرية التعبير. وأمثال هؤلاء الذين تصنعهم السياسات المناوئة، ينتهون بمجرد زوال أصحاب نعمتهم. كما أن مثل هذه القيم تسود في العصور التي تعرف الانحطاط التام. وهذا ما نشهده بجلاء في هذا العصر.
إن قيم الإسلام الحقيقية لا علاقة لها بالتطرف ولا بالإرهاب. كما أن مبادئ الثورة الفرنسية والجمهورية لا علاقة لها بالسياسة ولا بالإعلام الذي يمارس حاليا في فرنسا. لست أدري ما المقصود بوحدة «الجمهورية» في خطاب رئيس دولة لها تاريخ ثقافي وفلسفي حافل؟ فمن فرَّق فرنسا؟ لكن المقصود أوضح من أن يتساءل بشأنه: ورغم الخطابات المزدوجة واللغة القطنية التي تخفي الحسك، فإنها لا تعني سوى الوحدة ضد المسلمين في فرنسا. لقد ظل المسلمون مهمشين ومنبوذين. وما تشديد الأمن على المؤسسات اليهودية لا الإسلامية سوى نتاج تلك السياسة الإقصائية.
إن الذين أشعلوا الشموع على «شارلي» من أصحاب القرار على المستوى الدولي، لا من المواطنين العاديين،، يطفئون الأمل في عيون أطفال سوريا والعراق واليمن وليبيا وغزة، وهم لا يلتفتون إلى معاناتهم الحقيقية والقاسية جدا منذ أكثر من أربع سنوات. إن هؤلاء الأطفال الذين يتشردون اليوم هم وقود الإرهاب غدا. فهل نجحت أمريكا في إزالة الإرهاب وهي تغذيه؟ إنه سؤال حول الوحدة الفرنسية.
ناقد مغربي
سعيد يقطين