باريس – «القدس العربي»: تتجه الأنظار الأوروبية مرة أخرى إلى العاصمة النمساوية فيينا التي تستضيف في 18 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري جولة مباحثات نووية جديدة بين إيران والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بعد فشل جولات مفاوضات مسقط في عمان ودخولها في حلقة مفرغة بسبب خلافات حول مسائل أساسية متعلقة بالقدرة على تخصيب اليورانيوم الذي يمكن أن تحصل عليه إيران وجدول رفع العقوبات الدولية عليها.
ويسابق الأوروبيون الزمن مع الأمريكيين للضغط على المفاوضين الإيرانيين من أجل تحقيق اختراق في المحادثات قبل متم 24 من الشهر الجاري، السقف المحدد للتوصل إلى اتفاق نهائي شامل مع طهران بخصوص برنامجها النووي.
وقال مسؤول في الخارجية الفرنسية على صلة بالمفاوضات الغربية مع إيران في حديث لـ «القدس العربي» إن نقاط الخلاف الرئيسية العالقة في المحادثات تتعلق بشكل أساسي بحجم برنامج طهران لتخصيب اليورانيوم ومدة أي اتفاق طويل الأمد ووتيرة رفع العقوبات الدولية.
وبحسب الديبلوماسي الفرنسي فإن الأوروبيين يراهنون كثيرا على المحادثات المقبلة في فيينا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد تعثر مفاوضات مسقط رغم ضيق المهلة المتبقية لإحراز تقدم يقود إلى توقيع اتفاق نهائي.
ويكافح الأوروبيون ضغوطا قوية تمارسها الحكومة الإسرائيلية عليهم بهدف عرقلة أي مشروع اتفاق مزمع بين القوى الغربية وإيران بخصوص ترسانتها النووية رغم تسليمها بأن طهران غيرت بالفعل خطابها وأبدت بعض المرونة في عدة قضايا هامشية وإن لم تقدِّم أي تنازلات جدية، حيث تخشى الحكومة الاسرائيلية أن تؤثر الحملة العسكرية الجارية ضد تنظيم «داعش» سلبا على ما تصفه بالكفاح الحيوي ضد البرنامج النووي الإيراني.
ويقول دبلوماسيون أوروبيون إن جولة المحادثات الأخيرة بين الدول العظمى (5 + 1) وإيران، حول البرنامج النووي الإيراني التي جرت في مسقط وستتواصل في فيينا صعّدت قلق إسرائيل من أن الجانبين أصبحا قريبين من اتفاق لا يستجيب لمطالبها بحلول موعد انتهاء المحادثات، في 24 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
وفي هذا الإطار يقول جون بيار اوفيليي الباحث في المركز الدولي للسياسة الخارجية الفرنسية لـ»القدس العربي» إن «إسرائيل تتخوف من تحقيق صفقة أوروبية أمريكية مع طهران لا تستجيب لمعظم مطالبها ومخاوفها حتى موعد انتهاء المفاوضات خاصة وأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، عبر عن عدم رضا إسرائيل عن تقدم المحادثات في فيينا حينما قال إننا نقف أمام خطر التوصل إلى اتفاق الدول العظمى، بحيث سيجعل إيران على وشك أن تصبح دولة نووية، وبحوزتها الآلاف من أجهزة الطرد المركزي التي ستتمكن بواسطتها من إنتاج مادة لقنبلة نووية خلال فترة قصيرة، مؤكدا أن اسرائيل تعتبر ذلك في حال حدوثه تهديدا للعالم أخطر بكثير من تهديد «داعش».
ومنذ انطلاق مباحثات مسقط يحرص الأوروبيون وفي مقدمتهم الحكومة الفرنسية على إطلاع المسؤولين الإسرائيليين أولا بأول على المحادثات والاتصالات الجارية مع الإيرانيين، كما أن باريس ولندن تبلغان وزير شؤون الاستخبارات الإسرائيلي، يوفال شتاينيتس بكل تفاصيل المحادثات الجارية حتى بعد فشلها وقبيل العودة بالملف النووي إلى فيينا، بينما يستعد الوزير الإسرائيلي ذاته للقيام بزيارة حول الملف نفسه إلى العاصمة البريطانية لندن رغم أن اسرائيل تقر بأنها ستصنف أي اتفاق بين إيران والدول العظمى ما بين اتفاق سيئ واتفاق سيئ جدا، وإن كانت تفتخر بأنها تنجح حتى في التأثير على مواقف الدول العظمى فيما تستبعد أن تحصل على تحقيق لكل مطالبها، لكنها تأمل إنجاز ما تسميه بإنجازات محدودة تجعل الاتفاق أكثر ما يمكن أقل سوءا وفق تعبير مسؤوليها.
وفي هذا الإطار يقول الباحث الفرنسي جون بيار أوفيليي إن «اسرائيل تبلغت من الأوروبيين وبشكل مفصل أقوى نقاط المفاوضات بما في ذلك تراجع مواقف الدول العظمى في ما يتعلق بعدد أجهزة الطرد المركزي التي سيكون بإمكان إيران إبقاؤها بحوزتها في اتفاق دائم، حيث أن الدول العظمى وافقت في البداية على بقاء 500 جهاز طرد مركزي بحوزة إيران، ثم وافقت على 2000 والآن هي توافق على بقاء 5000 جهاز طرد مركزي، وفي مقابل ذلك لم يلن الإيرانيون حيال أجهزة الطرد المركزي ويطالبون بالحفاظ على 9 آلاف جهاز نشط و10 آلاف جهاز غير نشط دون التنازل عن ذلك».
وأضاف الباحث الفرنسي ان «المباحثات التي جرت في السلطنة بين ايران والقوى الغربية كانت صعبة ومباشرة وجادة، خاصة وأن الصفقة النووية التي أخذت الكثير من الجهد تظل معلقة وفي الميزان، يبدو أن المساومات ستستمر حتى الموعد النهائي بتاريخ 24 تشرين الثاني/نوفمبر، ولا ننسى أن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ووزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف بحثا بحضور مستشارة الاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون في اجتماع خاص وسائل للتغلب على الخلافات العميقة والشكوك المتبادلة للوصول بـمسيرة 12 شهراً من المداولات الديبلوماسية إلى نقطة الفصل حول الملف النووي الإيراني ولم ينجحوا ما يعني صعوبة تحقيق اختراق قبل المدة المتبقية».
وفي رده على سؤال بخصوص العقبات التي يرشح تجاوزها في مباحثات فيينا بعد تعثر مباحثات مسقط قال الباحث الفرنسي: «هناك فجوات عميقة بين إيران والغرب والصفقة ربما لم تعد في متناول اليد، وطالما كان الطرفان إيران والغرب جادين في التوصل لاتفاق فإن هناك إعتقاداً قوياً بأن المهلة قد يتم تمديدها لفترة محددة بالرغم من أن المسؤولين الأوروبيين يقولون إن المباحثات لن تكون مفتوحة، لكن يجب أن لا ننسى أنه طيلة مراحل مباحثات مسقط لم يكشف أي من الطرفين طبيعة ما تبقى من أمور لم تعالج في مساعيهما التي طال أمدها لإبرام اتفاق شامل ونهائي».
وكما كان في مسقط ستهدف المناقشات المرتقبة في العاصمة النمساوية فيينا إلى وضع حدود يمكن التحقق منها لأنشطة تخصيب اليورانيوم الإيرانية، وأي مسار محتمل آخر لإنتاج سلاح نووي مقابل رفع العقوبات تدريجيا على طهران.
غير أن أجواء التشاؤم مرشحة بقوة لأن تسود أيضا محادثات 18 تشرين الثاني/ نوفمبر في فيينا، بعد أن سادت الأجواء ذاتها عقب إعلان الأطراف في المباحثات النووية حول البرنامج النووي الإيراني في مسقط عن الإخفاق في إحراز تقدم، قبيل انعقاد اجتماعات الخبراء الفنيين، بحضور مبعوثة الاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون، ووزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، وممثلي مجموعة الست بما فيها ألمانيا.
وفي حال نجح الأوروبيون بمعية الأمريكيين في جر إيران إلى توقيع اتفاق نهائي شامل في فيينا بعد فصل محادثات مسقط، فسيصبح من حق طهران ان تطالب برفع فوري وسريع لجميع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها منذ اعتماد العقوبات الدولية ضدها في مجلس الأمن عام 2006 إضافة إلى رفع العقوبات المنفصلة التي أضيفت على كاهلها بشكل أحادي من قبل الاتحاد الأوروبي من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى.
ويقول الدبلوماسيون الإيرانيون إن العقوبات الدولية على بلادهم كلفت كاهل اقتصادها خسارة ثقيلة وصلت قيمتها إلى نحو 480 مليار دولار، أي ما يعادل عام كامل من الناتج المحلي الإجمالي لإيران، وكانت الدول الغربية قد عمدت إلى اتخاذ قرار برفع مؤقت للعقوبات المفروضة على إيران العام الماضي كبادرة حسن نية لتشجيع الإيرانيين على المضي قدما في المفاوضات بهدف التوصل إلى اتفاق ومنحهم أجواء من الثقة لمدة ستة أشهر قابلة للتجديد قبل أن تصل المحادثات إلى طريق مسدودة الصيف الماضي.
ومنذ بداية العام الجاري أبدى الأوروبيون مرونة من خلال غض الطرف عن تصدير إيران لنفطها إلى الخارج بنحو مليون برميل يوميا تقريبا،علما أن ميزانية الحكومة الإيرانية تعتمد بشكل أساسي على عائدات النفط والغاز ما يعني برأي المختصين أن أي رفع فوري للعقوبات الدولية من جهة والاوروبية الأمريكية من جهة أخرى على طهران سيحمل فوائد اقتصادية جمة وبشكل سريع للاقتصاد الداخلي الإيراني ويعيد الدولة التي تتوفر على رابع أكبر احتياط نفطي في العالم إلى سكة الانتعاش الاقتصادي بعد سنوات طويلة من ثقل تبعات العقوبات الدولية عليها.
محمد واموسي