من مصلحة واشنطن وطهران مساعدة العبادي ومنع أزمة سياسية خطيرة

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: كتب السفير الأمريكي السابق للعراق زلماي خليل زاد مقالة رأي في صحيفة «نيويورك تايمز» حول «مقامرة العبادي الخطيرة» وتحدث فيها عن الأزمة السياسية التي تواجه العراق. وقال المسؤول الأمريكي الذي خدم في العراق في الفترة ما بين 2005- 2007 أن آخر ما يحتاجه العراق هو أزمة سياسية خاصة أنه يعاني من أزمة إقتصادية ويواجه مخاطر نابعة من تنظيم «الدولة» في العراق وسوريا وكلفة حربه المالية والبشرية.
ويعتقد خليل زاد الذي نشر مذكراته تحت عنوان «السفير» أنه لن يتم التصدي للأزمة السياسية التي تعصف بحكومة حيدر العبادي إلا في ظل تعاون أمريكي- إيراني لمساعدته على تجنب تطور الأزمة السياسية.
وبدأت مصاعب رئيس الوزراء العراقي في 31 آذار/مارس عندما قدم تشكيلة حكومته الجديدة إلى البرلمان. ومع أن ما فعله يقع داخل صلاحياته كرئيس وزراء إلا أنه أخطأ عندما لم يستشر الكتل السياسية والأحزاب التي تهيمن على البرلمان حسبما يقول خليل زاد. ومع أن معظم الشخصيات التي رشحها العبادي هي من التكنوقراط وذات السمعة والنزاهة والرؤية الإصلاحية إلا أنها لا تمثل الأحزاب العراقية الكبيرة ولا تحظى بدعمها. ولا يخفى أن العبادي قرر القيام بالخطوة تحت ضغوط كبيرة وفي ظل سخط عام من الحكومة وفشلها في حل المشاكل الإقتصادية والحكم بفعالية.
وظل الناشطون والمرجعية الشيعية آية الله علي السيستاني يطالبون ولأشهر العبادي باتخاذ الخطوات الضرورية للإصلاح والتي تشمل تخفيض عدد التشكيلة الحكومية وتحسين الخدمات العامة وخفض النفقات غير الضرورية ومحاربة الفساد. ويقول إن قيام العبادي بالإعلان عن حكومته كان محاولة منه لقطع الطريق على القادة السياسيين الآخرين.
وكان يعتقد أن تقديم فريق قوي ومؤهل سيؤدي لرد فعل شعبي إيجابي ودعم من السيستاني وسيجبر البقية للموافقة على حكومته الجديدة. ولم ينجح العبادي لأن العديد من اللاعبين في البرلمان ومنهم أكراد وشيعة وسنة عارضوا الخطوة. فقد قال عمار الحكيم، زعيم المجلس الإسلامي الأعلى إنه في حالة جاءت تشكيلة الحكومة من خارج الأحزاب فعلى رئيس الحكومة أن يكون مثلها في تلميح إلى عضوية العبادي في حزب الدعوة وضرورة استقالته منه.
ولأن الأحزاب هي التي تسمي المرشحين للحكومة فقد قرر جيولوجي كردي رشح لمنصب وزير النفط سحب اسمه لأن الأحزاب الكردية لم تقترح اسمه. وفعل تكنوقراطي شيعي رشح لمنصب وزير المالية الأمر نفسه.

مخربون وإصلاحيون

ويرى خليل زاد أن مواقف الأحزاب الداخلية والخارجية مهم في تقرير الخطوة التالية، مشيرا للدور التخريبي الذي يمكن أن يلعبه رئيس الوزراء السابق الذي لا يزال يحتفظ بتأثير قوي في السياسة العراقية.
وينقل السفير السابق عن دبلوماسيين ومسؤولين على صلة وثيقة بالمشهد السياسي قولهم إن المالكي وإن لم يرض عن بعض الأسماء التي وردت في التشكيلة الجديدة إلا أنه سعيد برفضها لأنها تجعل منصب رئيس الوزراء بيد حزب الدعوة الذي يترأسه وتبعد عدداً من الأسماء التي ساهمت بالإطاحة به في آب/أغسطس 2014.
وهناك السيستاني الذي يعتبر لاعباً مهماً فمصادقته على حكومة الإصلاحيين ستمنحها وزناً، وفي المقابل فمعارضته لها تعني وفاتها. ويرى خليل زاد أن الإيرانيين الذين يلعبون دور العراب للأحزاب العراقية ليسوا راضين عن العبادي الذي يرونه قريباً من الولايات المتحدة إلا أنهم لا يريدون الإطاحة به خوفاً من المفاوضات الطويلة حول من سيخلفه والتي قد تؤدي لانقسام الأحزاب الشيعية وتحرف النظر عن قتال تنظيم «الدولة».
ويرى السفير السابق أن إيران ترى أي نجاح ضد تنظيم «الدولة» مرتبطاً بمعالجة مظاهر القلق السني بدلاً من تشجيع الطائفية. وبالنسبة للولايات المتحدة التي لعبت دوراً مؤثراً في تحقيق تسويات بين العراقيين في السنوات الأخيرة ولديها علاقة جيدة مع العبادي فهي تخشى مثل الإيرانيين أن تؤثر الأزمة السياسية في بغداد على التحضيرات لحملة استعادة الموصل من تنظيم «الدولة».
ويرى الكاتب أن الطريقة المثلى لمنع تطور الأزمة السياسية هي اختيار حكومة بعيدة عن تأثير الاحزاب، وهو أمر غير متاح في هذا الوقت.
وهنا يأتي دور الولايات المتحدة وإيران وتشجيع القادة العراقيين على منح العبادي بعض التغييرات في الحكومة وليس كلها. ويقترح الكاتب طريقة يمنح فيها العبادي الفرصة لترشيح 14 مركزاً في الحكومة يريد تغييرها وترك البقية للتداول بين الأحزاب المؤثرة.
ويختم خليل زاد مقالته بالقول إن الولايات المتحدة وإيران لديهما مصلحة في حل الأزمة السياسية وعليهما العمل بالتوازي من اجل تسويات بين الأحزاب العراقية ورئيس الوزراء. كما يجب على واشنطن وطهران العمل معاً لمنع تطور مقامرة العبادي إلى أزمة سياسية كبيرة.

ماذا بعد؟

وفي هذا السياق تؤثر الأزمات الإقتصادية والتناحر السياسي على عملية إعادة المهجرين الذين فروا من وحشية تنظيم «الدولة» والميليشيات الطائفية.
وكذا إعادة تأهيل وإعمار المدن العراقية التي تم تدمير أجزاء كبيرة منها أثناء استعادتها من الجهاديين. وفي هذا السياق تساءلت إريكا سولومون في تقرير نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» عما بعد في العراق.
وقالت إنه عندما تم إخراج تنظيم «الدولة» من مدينة تكرير العام الماضي حاول المتطوعون المحليون محو كل أثر للجهاديين ونظفوا الشوارع من الأنقاض وصوروا أنفسهم في الساحات التي نفذ فيها الجهاديون عمليات إعدام للتأكيد أن المدينة آمنة. إلا أن عشرة أشهر من حكم داعش لتكريت تجعل مهمة تطهيرها صعبة. ونقلت عن متطوع اسمه عمر قوله إن محاولة وصل المدينة بمولدات الطاقة الكهربائية التابعة للحكومة لم تنجح واضطر السكان للاعتماد على محولات محلية تم تحسينها أثناء حكم الجهاديين. وقال إن النظام المحلي الذي تحايل السكان عليه لا يزال يعمل أفضل من الحكومة.
وتعلق سولومون أن استعادة مناطق من تنظيم «الدولة» الذي كان يسيطر في الماضي على ثلث العراق تقريباً يعتبر تحدياً كبيراً. فمدن كتكريت تكشف عن المشاكل التي تواجه عمليات تأهيل المناطق هذه.
وتقول سولومون إن التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة والحكومة العراقية أنفقا المليارات من أجل هزيمة تنظيم «الدولة» الذي خسر نسبة 40% من أراضيه بحسب التقديرات الأمريكية إلا أن القدر نفسه من المال أو اقل منه لم يتم تخصيصه للتخطيط وعمليات الإعمار في مرحلة ما بعد تنظيم «الدولة».
وتقول وزراة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) أنها أنفقت 6.5 مليار دولار منذ عام 2014 على الجهود الحربية ضد داعش في العراق وبالمقارنة فلم تنفق سوى 15 مليون دولار على جهود تحقيق الإستقرار، مما يكشف عن مشاكل ربح الحرب السهل وتجاهل مشاكل ما بعد الأزمة.
ويواجه العراق في الوقت الحالي أزمة اقتصادية حادة ومشردين تقدر الأمم المتحدة أعدادهم بحوالي 3.3 مليون شخص وعودة للعنف الطائفي الدموي الذي قد يشعل مشاعر السخط التي دفعت الكثير من السنة لمساعدة تنظيم «الدولة» للسيطرة على المناطق ذات الغالبية السنية في الأنبار. ومشاكل كهذه قد تؤدي لتحويل الانتصارات العسكرية إلى هزائم عملية.

قصة تكريت

وتشير إلى حالة تكريت التي عادت نسبة 90% من سكانها بعد طرد الجهاديين منها إلا أن الخدمات الأساسية غير متوفرة.
ويرى زياد علي مؤلف كتاب «المعركة من أجل مستقبل العراق» أن الحكومة العراقية بحاجة لإقناع الناس بأن الأمور هي أفضل من السابق. وأضاف أن الإستمرار على الطريقة السابقة في الحكم يجعل من كل الجهود التي تبذل ضد الجهاديين عبثية وستؤدي عاجلا أم آجلا لظهور التنظيم أو نسخة أخرى منه.
وكانت تكريت، مسقط رأس الرئيس العراقي السابق صدام حسين من أوائل المدن التي سقطت في يد تنظيم «الدولة» صيف عام 2014 ومن أولى المدن التي طرد منها الجهاديون في نيسان (إبريل) 2015.
ونظراً لتراجع أسعار النفط الذي أثر على الميزانية الحكومية فإن مشاريع إعمار في تكريت وغيرها من المدن التي خرج منها الجهاديون متوقفة وترك الأمر لمنظمات الإغاثة الإنسانية الدولية والمحلية كي تقوم بالمهمة. ففي جامعة تكريت التي عاد للدراسة فيها 20.000 طالب لا توجد معدات كافية لتدريسهم.
وتنقل الكاتبة عن البرفسورة عواطف جاسم قولها إن الكلية التي تعمل فيها تعرضت للنهب الكامل. وشمل هذا أجهزة الكمبيوتر والمعدات وحتى مقاعد الجلوس. وترى أن إعادة تأهيل الجامعة يحتاج لميزانية 45 مليار دينار عراقي. ويرى سكان تكريت أن مدينتهم هي قصة نجاح وأنهم الذين يقفون وراءها ولا دخل للحكومة بها.
وتقول سولومون إن عمال الإغاثة يعبرون عن قلقهم من المصاعب التي تواجه عمليات إعادة تأهيل السكان السنة الذين شردتهم الحرب ويتعرضون للتهميش من الحكومة الشيعية في بغداد.
وفي الوقت الذي أنفقت فيه الأمم المتحدة مبلغ 8 ملايين لإعادة إعمار البنى التحتية بالمدينة إلا أن المسؤولين فيها يتحدثون عن دمار كبير لا يمكن تقدير ثمن إصلاحه.
ويقول برلمانيون عراقيون إن إعمار كل بلدة حول تكريت قد يكلف حوالي 10 مليارات دولار. وتنعكس مظاهر القلق هذه على الجهود التي يقوم بها التحالف لاستعادة مدينة الموصل التي تعتبر من أكبر المدن العراقية الواقعة تحت سيطرة التنظيم. ويتوقع التحالف شن حملة عليها نهاية هذا العام فيما ينظر إليه الوقفة الأخيرة لداعش.
ونقلت سولومون عن مسؤول إغاثة قوله «قلنا لرجال التحالف، هل يمكنكم التوقف عن تدمير المدن بكاملها» «فنحن أولاً لا نعرف الوقت الذي سنأخذه لإعمار المدن، وثانياً لأنكم خسرتم كل السنة الذين يشعرون بالإحباط».

الجروح النفسية

وترى الكاتبة أن الأهم من إعمار المباني هو الجروح النفسية التي تسبب فيها التوتر الطائفي والتي أسهم تنظيم «الدولة» في نكئها بشكل كبير ومن الصعب والحالة هذه علاجها.
وتقول إن تسامح بعض السنة مع تنظيم «الدولة» الذي اجتاح العراق عام 2014 يجعل الحكومة في بغداد غير معنية بمنح إعمار مناطق السنة الأولوية.
وإذا كان هذا هو حال تكريت فالمقدادية في شمال محافظة ديالى متجمدة في الزمان. ففي مسجد القدس بالمقدادية ترفض قوات الحشد الشعبي حتى الآن تنظيفه بعد تعرضه لعملية انتحارية قبل شهر.
وتنقل عن قائد الحشد في المقدادية قوله إن الدم الذي سقط في المسجد هو دم شيعي. وفي الوقت نفسه يقول نواب سنة إن قوات بدر التي تدعمها إيران تسيطر على المحافظة أكثر من الحكومة. ويرفض التميمي تنظيف المسجد احتجاجاً على غياب الأمن في محافظة ديالى التي طرد الجهاديون منها قبل تكريت. ويشعر الكثير من السنة بالقلق من سيطرة الجماعة الشيعية على مناطقهم ويتهمونها بالتورط في عمليات اختطاف وقتل.
ونقلت الكاتبة عن عبد السلام الجبوري، النائب السني من ديالى إنه يخشى مغادرة بغداد لزيارة محافظته. وتحدث عن تلقيه تهديدات بالقتل واتصالات أشخاص يتحدثون عن عمليات اختطاف.
ويستخدم الحشد المختطفين كرهائن من أجل الفدية. ويخشى السنة من عمليات انتقامية من الشيعة وتنظيم «الدولة» أيضا. فبعد تفجير مسجد القدس تم حرق 9 بيوت سنية. وتقول أم هادي إنها مستعدة للرحيل في أي وقت وحقائبها جاهزة.
وتشير الكاتبة إلى أن محافظة ديالى عانت من نزاع طائفي طويل. ومثلما يخشى السنة الشيعة يشعر هؤلاء بالقلق مما سيحدث بعد لو استوعبوا مشردين سنة في مناطقهم.
ويشير التميمي إلى بلدات خارج ديالى ظل سكانها خارجها مدة عام قبل السماح لبعضهم بالعودة إليها.
ورغم التوتر الطائفي إلا أن الرغبة بالعودة إلى البيت واضحة في كل أنحاء العراق حتى لو دمر البيت ولم يعد موجوداً. فأم ماهر تعيش إلى جانب أنقاض بيتها وتنام في الليل في كوخ كرفان بلاستيكي مع زوجها وأولادها الخمسة. وفي النهار تقوم بالبحث بين الأنقاض عن مواد يمكن استخدامها حالة السماح لهم بإعادة بناء البيت من جديد. ويطالب النواب السنة الحكومة ببذل المزيد كي يعود المشردون إلى ديارهم التي كانت تحت سيطرة تنظيم «الدولة».
وبحسب عدنان الجنابي النائب السني عن محافظة بابل فيجب الثقة بالناس وإشعارهم بأن الحكومة تقف إلى جانبهم وإلا فسيدفعون من جديد لدعم تنظيم «الدولة».
وحتى في تكريت التي تعتبر قصة نجاح إلا أن متاعب المستقبل ليست بعيدة، ففي الوقت الذي لا تزال قوات الحشد تدير نقاط التفتيش خارجها وترفع أعلامها على المناطق المحيطة بها يواصل الناشطون مثل عمر تنظيف الشعارات التي كتبها عناصر الحشد على جدران البيوت والمباني في داخل تكريت.
ويقول السكان إن مئات العائلات تم احتجازها في مخازن للطعام بانتظار حصولها على إذن بالعودة إلى بيوتها. وقال متطوع إن ما يجري للعائلات «خطأ فادح».
وتشير الكاتبة إلى أن حشوداً تقف عند الحواجز وهي تحمل وثائق مختومة ووثائق كفالة تمنحها الإذن للدخول إلى المدينة وبقية المراكز مثل تكريت أو دخول العاصمة بغداد. وتعلق الكاتبة أن خطوط التحرك السهلة التي كانت بين المراكز تبدو أكثر وأكثر مثل نقاط حدود. ويعلق مواطن هرب من بلدته الفلوجة قائلاً إنه مهاجر داخل بلده «ولم يعد لي بلد». ويعلق دبلوماسي غربي أن الحكومة العراقية فرضت القيود على الحركة خشية أن يكون من بين اللاجئين متعاطفون مع تنظيم «الدولة». وفي كل بلدة أو مدينة هناك لجان محلية مرتبطة عادة بالقوى الأمنية تقرر من يسمح له بالعودة أم لا.
ويقول ضياء الدوري إن 200 شخص اعتقلوا عندما حاولوا العودة إلى بلدة الدور القريبة من تكريت معلقاً أن منع السكان من العودة إلى بيوتهم يدمر نسيج المجتمع ويدفعهم مرة أخرى لاحضان تنظيم «الدولة».

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية