من ميدان التحرير: والفائز هو… الاحباط

■ لم اكن اتوقع عندما كتبت في هذا المكان قبل اسبوعين انني سأبطل صوتي، ان تأتي الاصوات الباطلة في المركز الثاني، وان يزيد عددها عن المليون صوت، متفوقة على المرشح حمدين صباحي باكثر من ربع مليون صوت، حسب المؤشرات شبه النهائية للانتخابات. هذا الرقم غير مسبوق في اي انتخابات مصرية رئاسية او غير رئاسية، وهو يحمل في طياته المفتاح الحقيقي لفك طلاسم هذه الانتخابات. واذا قام اصحاب الاصوات الباطلة بتشكيل حزب سياسي اليوم لاصبحوا الحزب الاقوى في مصر بدون منازع.
فمن اجل توجيه رسالة بابطال صوتهم، تحمل اكثر من مليون مصري عناء الذهاب الى اللجان الانتخابية، هو عناء حقيقي حتى في اطار اقبال ضعيف، كما يعرف كل من راقب الانتخابات على الارض مثل كاتب هذه السطور، بسبب زحام المرور والارتفاع الشديد لدرجة الحرارة التي وصلت الى 43 مئوية في اليوم الثاني للتصويت.
اما الرسالة فهي اعمق كثيرا من مجرد رفض المرشحين معا، اذ تشير الى حالة عامة من الاحباط والقلق والانكار، لا تقتصر على المليون ونيف الذين ابطلوا صوتهم، بل تتجاوزهم الى ملايين غيرهم.
وبينما كنت في ميدان التحرير مساء الاربعاء، حيث بدأت الاحتفالات بفوز المرشح عبد االفتاح السيسي بعد دقائق قليلة من اغلاق اللجان الانتخابية، كان هناك من ابدى ارتياحه لارتفاع نسبة الاصوات الباطلة، الذي يشكل مع ضعف نسبة المشاركة، المكون الاهم في نتيجة هذه الانتخابات. وعلق احدهم ساخرا «حمدين شكله هيدخل اعادة مع باطل، بس باطل اكيد هيفوز».
وحتى اذا كانت السلطة صماء فلابد انها سمعت دوي هذه الاصوات المحبطة او المشككة او الغاضبة او الرافضة لكثير من الممارسات والسياسات الخاطئة في المرحلة الاخيرة، اما اذا اختارت ان تتجاهلها، وجندت ماكينتها الاعلامية للتشويش عليها، فان هذا لن يمنع اصحابها من الاحتفاظ باصحابها وربما تطويرها الى ما هو ابعد من التصويت السلبي. ولا يمكن فصل اسباب هذا «الاحباط الكبير» عن كثير من تفاصيل المشهد السياسي بشكل عام، الذي لا تشكل نتائج الانتخابات سوى انعكاس لبعضها، ومن بينها:
اولا ـ ان كثيرا من المصريين رأى ان السيسي سيفوز على اي حال، وان ما يجري ليس سوى «تمثيلية»، وبالتالي لم يتحمس للمشاركة فيها، ولا يتعارض هذا مع كونه مؤيدا او منتقدا للمشير. والسبب بوضوح تام هو ان الدولة لم تقصر في اعلان انحيازها لمرشحها، وامثلة هذا كثيرة، ومن بينها ان المشير كان يجري لقاءاته الانتخابية في فندق الماسة التابع للجيش المصري شرق القاهرة، وان كثيرا من المصالح الحكومية علقت صورته قبل اجراء الانتخابات اصلا. وبالطبع لم يتجرأ احد من الاعلاميين على توجيه سؤال مثل: من يدفع فواتير اجتماعات فندق الماسة؟ او من سمح بتعليق صور مرشح مكان صور رئيس الجمهورية في مقرات الحكومة؟
ثانيا ـ ان كثيرا من المحبطين، سواء من الذين قاطعوا او ابطلوا اصواتهم، كانوا شاركوا في الثلاثين من يونيو/حزيران، وايدوا عزل الدكتور محمد مرسي، الا انهم رأوا ان شيئا لم يتغير الا للاسوأ منذئذ، سواء على مستوى الامن او الاقتصاد او الخدمات الحيوية او الحريات العامة، بل ان كثيرا من المحتفلين في ميدان التحرير لا يحتفلون بقدوم السيسي بقدر ما يحتفلون بنهاية مرحلة انتقالية كارثية بكافة المقاييس، وقدوم رئيس مسؤول عن البلاد يمكنهم ان يحاسبوه ان ارادوا ذلك. واذا تحدثت لبعضهم ستكتشف ان «الميزة الاساسية» للرجل في اعينهم هي انه قضى على الاخوان حكما وجماعة، الى جانب عدد من «الفضائل الشخصية»، وليس اي برنامج سياسي او اقتصادي واضح.
ثالثا- ان كثيرا من الاصوات التي فاز بها السيسي، ليست خالية من الاحباط في حقيقة الامر، بل ان لسان حالها يقول: ليس هناك خيار اخر، او (خلينا نجربه ونشوف لو ما صلحش هنطلع نشيله)، او (مش احسن ما البلد كانت تروح في داهية)، كلام يعبر بعضه عما يقال في وسائل الاعلام الموالية للنظام، الا انه يعزف على وتر حساس عند المصريين، وهو ما لا يقدر اهميته من لا يعرفون مصر او يحاولون «اعادة اختراعها» بما يتفق مع مصالحهم الحزبية او انتماءاتهم الايديولوجية، وهو ان الدولة هي جزء من هوية المصري، عاش معها وعاشت معه الاف السنين، وبالتالي لا يستطيع ان يتخيل نفسه بدونها، اما ظلم الدولة ومساوئها فقد عانى منه عقودا وقرونا ثم ثار عليه، ويستطيع ان يثور عليه مجددا ان اراد.
واخيرا، فان الحياة في مصر تسير بالطول والعرض، كما يقول المصريون المتشبثون بها، وعندما يسمعون عن قنبلة يتدافع كثير منهم لـ»الفرجة عليها» بدلا من الهروب منها، وهذا لن يتغير. لقد فشل الارهاب في منع الانتخابات كما فشل في وقف الحياة. اما ما يجب ان يتغير فمواقف السلطة والمعارضة معا في ظل نتائج الانتخابات، التي تلزمهما بمراجعة صادقة تقتضي الاعتراف بالواقع والاخطاء اولا، ثم بدء حوار حقيقي بلا شروط تعجيزية. ولعل هذه تكون بين اولويات الرئيس المقبل ان اراد اصلاحا واستقرارا وتنمية حقا.

٭كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»

خالد الشامي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية