من ميونخ إلى كابل المذبحة الأخرى!

يوم الجمعة أطلق شاب خارج لتوه من المراهقة النار على مدنيين عزّل في مجمع تجاري بمدينة ميونخ، بجنوب ألمانيا، فأودى بتسعة من المتسوقين وقذف بالمدينة والبلد كله في دوامة كبرى من الحزن والساؤلات. كانت صدمة عميقة ستتذكرها ألمانيا طويلا.
بعد أقل من أربع وعشرين ساعة، في حوالي منتصف نهار الجمعة، فجّر ثلاثة انتحاريين أجسادهم وسط متظاهرين من إثنية الهزارة، شيعة المذهب، كانوا يتظاهرون في شوارع العاصمة الأفغانية كابل، فقتل أكثر من ثمانين وأوقع مثلهم، على الأقل، جرحى.
كانت حلقة أخرى من مسلسل الموت المستمر، ستنساها أفغانستان بسرعة.
في الحالتين توفرت البهارات المطلوبة لتغطية تلفزيونية طويلة ومثيرة.. تنظيم الدولة الإسلامية، القتل الجماعي، الضحايا شقر، الضحايا شيعة، هازارا.. إلخ. ولكن!
في الحالة الأولى توقفت الدنيا فجأة كأنما باتفاق مسبق: قطعت القنوات التلفزيونية بثها الفضائي ووجهت اهتمامها نحو ألمانيا.
ظل البث المباشر مستمراً شرقا وغربا، على الرغم من شح فادح في الأخبار، وصور قليلة متشابهة تكرر بثها طيلة الساعات تلك.
هاتف قادة أوروبا وأمريكا المستشارة أنجيلا ميركل لتقديم التعازي والتعبير عن التضامن. فاضت مواقع وسائل التواصل الاجتماعي بالأخبار والاجتهادات والتحليلات إلى حد التخمة.
في الحالة الثانية استمرت الحياة كأن شيئا لم يحدث: لا أحد قطع البث. لا قناة تلفزيونية فضائية رأت من الضروري البحث عن أخبار وصور. لا رئيس أو قائد اتصل بالرئيس الأفغاني أشرف غني، ولا غير ذلك.
حتى مواقع التواصل الاجتماعي المفتوحة بلا انقطاع على الغث والسمين، زهدت في الأمر ورأت أن ميونخ أهم! ولم تكن المشكلة في الصور، فقد التقط مواطنون أفغان صورا كافية، في رد فعل إنساني وغريزي (أصبح موضة)، لا يختلف عن رد فعل من شهدوا وصوّروا جريمة ميونخ وقبلها نيس وقبلها مدن أخرى في الغرب.
حضر الخبر في شكل «عاجل» على شاشات بعض الفضائيات العربية والدولية، ثم اختفى لتواصل المحطات ذاتها الاهتمام بميونخ.
قدّرت المحطات التلفزية الفضائية أن المؤتمر الصحافي المشترك للنائب العام وقائد شرطة ميونخ أهم من الثمانين قتيلا الذين حصدتهم آلة الإجرام في كابل. ورأت أن معلومة بسيطة، وغير مؤكدة، عن الحالة النفسية لمطلق النار في ألمانيا «عاجلة» أكثر من خبر عشرات القتلى والمصابين في أفغانستان.
يجب الإقرار بأنه منحدر خطير لا شيء يبرره، لأن القتل قتل والموت موت حيثما كانا، و»داعش» (حتى لو لم يثبت أنه مرتكب جريمة ميونخ) هو «داعش» بغض النظر عن جغرافيا الجريمة. لكن كيف وصل هذا العالم إلى هذه الحال؟
من المؤسف التذكير بأن عقول الناس، وبفعل تراكمات عدة، أصبحت جاهزة لتقبل هجوم انتحاري يودي بالعشرات في كابل، لأن أفغانستان (والعراق وسوريا وليبيا واليمن) مخزّنة في أذهان الناس كمرادف للحرب والقتل الجماعي. في مقابل أن ميونخ وستوكهولم وباريس وجنيف وواشنطن مخزّنة في أذهان العامة كمرادف للسلم والأمن والجمال.
ومن المؤسف كذلك إعادة سرد الكلام القديم، وهو ليس خطأ بالمناسبة، عن أن روح الإنسان الغربي أغلى وأهم عند الغرب، ولكن عند الشرق أيضا مدفوعا بعقدة النقص تجاه كل ما هو أوروبي وغربي عموما، وأن الحالتين اللتين أمامنا ليستا ولن تكونا الأخيرتين.
ومن المحبط الانتباه إلى أن صور المدنيين العزل مذعورين يحاولون النجاة بأنفسهم وأطفالهم الشقر أكثر وقعًا على عقول وعواطف الناس، حتى في الشرق، من صور الأفغان أو السوريين وهم أمام خطر مشابه وحالة نفسية مطابقة.
تشييع الضحايا الأفغان أخذ دقائق، بل ثواني معدودة في نشرات يوم الأحد، فلننتظر لنرى المساحة الوقتية التي سيحتلها تشييع ضحايا ميونخ (المجتمعات الغربية عادة تأخذ وقتها وراحتها في تشييع موتاها).
ومن المؤسف إعادة التذكير بأن العالم محكوم، في نهاية المطاف، بحفنة من المسيطرين على وسائل الإعلام الكبرى، بشكل أو بآخر، يوجهونها كما يشاؤون فتمتثل طوعا أو مرغمة، وعت أم لم تعِ.
قبل سيطرة هذه الحفنة على وسائل الإعلام، سيطرت بدايةً على أذهان الناس، عندهم وعندنا، وجعلتهم يحكمون بأن جريمة ميونخ أهم من جريمة كابل.
السيطرة على تدفق الصورة وعلى الأدوات لم تعد مطلقة كما كانت قبل ثلاثين سنة. السيطرة على الأذهان أجدى وأضمن وأخطر.. وإلا ما تفسير أن المحطات الفضائية الكبرى، عربية وأعجمية، جنحت كلها، كأن بينها اتفاقا مسبقا، إلى الحكم بأن جريمة كابل غير جديرة بتغطية مفتوحة؟ وما تفسير أن الذين ملأوا صفحات منابر التواصل الاجتماعي كلاما عن ميونخ صاموا عن الكلام عندما تعلق الأمر بكابل؟ وما تفسير أن لا أحد من رؤساء وملوك العالم كلّف نفسه عناء الاتصال بالرئيس غني والاستفسار منه وتعزيته كما حدث قبل ليلة واحدة مع ميركل؟
هذه التبعية التي طوقت المستهلك (المتلقي) الإعلامي لا تختلف عن أنواع التبعية الأخرى التي تطوقه، والتي حوّلت سكان العالم، كبيرهم وصغيرهم، إلى قطيع يستهلك الأكل نفسه والملبس نفسه، ويختار بين عدد محدود من أندية كرة القدم ليشجعها، ويفكر بطريقة متشابهة تقوم على أن هناك فرقا بين جريمتي ميونخ وكابل.

٭ كاتب صحافي جزائري

من ميونخ إلى كابل المذبحة الأخرى!

توفيق رباحي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية