كل وسائل الاعلام العربية تعرف اللسان اللاذع لكاتب الرأي السعودي داود الشريان. الشريان مقرب جدا من البلاط الملكي، واقواله تعكس المزاج السائد في دوائر النظام. في الاسبوع الماضي قرر الشريان مهاجمة وسائل الاعلام العربية التي اتهمت مصر بالتعاون العسكري والاستخباري مع إسرائيل بل وادعت بان «صعود عبدالفتاح السيسي الى الحكم كان المعجزة العسكرية الاكبر التي حصلت لإسرائيل».
ومع أن وسائل الاعلام الإسرائيلية هي الاخرى بالغت في وصف «التحالف العسكري» بين مصر وإسرائيل، وبعض مما كتب في وسائل الاعلام العربية اقتبس مباشرة (بما في ذلك منح الحظوة) عن الصحف الإسرائيلية. ولكن للشريان يوجد حساب آخر. فقد كتب في صحيفة «الحياة» يقول ان «الهجوم الاعلامي ضد مصر جاء لوصف الاحداث في سيناء كمعركة بين المنظمات الاسلامية وإسرائيل، برعاية مصر. وهي لا تشوه فقط صورة الجيش المصري بل وتسوغ بذلك الارهاب ايضا».
ومع ذلك، يدعي الشريان بان هذا الهجوم الاعلامي لا يقنع المصريين ومعظم العرب. والشكل الذي يصف فيه هذا الاعلام الجيش المصري – «وكأنه نسي ماضيه الفاخر، الايام التي اصطدم فيها بإسرائيل، هزمها وقدم الاف الضحايا» – يسميه «غير مسبوق في بضاعته واستثنائه».
ويسعى الشريان الى نزع الاقنعة عن وجه شبكات التلفزيون العربية، ولا سيما تلك للاخوان المسلمين التي تبث من تركيا. ويذكر أن تركيا «اعترفت بإسرائيل منذ 1949 واقامت معها علاقات استراتيجية»، ولكن رجال الاعلام العرب اولئك، من مؤيدي الاخوان المسلمين لا يتذكرون على حد قوله «غير المواجهة في دافوس (بين اردوغان وشمعون بيرس)، أو قضية سفينة مرمرة».
ظاهرا، يدور الحديث عن هجوم آخر لكاتب رأي سعودي على الاخوان المسلمين، الذين يعملون على حد قوله ضد النظام المصري، حليف السعودية. غير أن في حينه تطور بين قراء مقال الشريان جدال مشوق خرج عن الحجج التي طرحها. «أولم يكن في الجيش المصري الذي حرر سيناء من إسرائيل من ينتمون للاخوان المسلمين؟» تساءل متصفح يسمى جميل جمال، «الكثير من الجنود الذين ضحوا بحياتهم في حرب 67 و 56 كانوا ينتمون للاخوان المسلمين. الاخوان المسلمون، يا سيد الشريان، ليسوا خونة، بل هم جزء لا يتجزأ من الشعب المصري. من وقع على اتفاق كامب ديفيد هو الذي لم يسأل الشعب وهو الذي يجب أن يتحمل النتائج». في هذه المرحلة ينتقل النقاش في التواءة حادة ليصل الى ولاء الاخوان المسلمين. وإسرائيل اصبحت مجرد ذريعة لسؤال اعمق. «اخي العزيز جميل جمال، في الجيش المصري لا يوجد ولم يكن حتى ولا عضو واحد من الاخوان المسلمين»، رد متصفح يسمى عمري، «فلو كان فيه، لكان الجيش تفكك مثلما حصل في النكبة الفلسطينية وفي حصار الفالوجة. الاخوان هو الذين تسببوا بالنكبة، وسبق أن رأينا خيانتهم، حين صعد مرسي الى الحكم ووصف الرئيس الإسرائيلي (شمعون بيرس) «صديقي العزيز». كما أن حماس هي الاخرى لم تتجرأ على اطلاق رصاصة واحدة نحو إسرائيل. متصفح ثالث، سعود عبدالله، يعتقد بانه «توجد طائفة في عالمنا العربي تأخذ لنفسها الاحتكار على «المقاومة» وليست مستعدة لان تحتمل أي جهة ترتبط مع إسرائيل، الا اذا تم هذا عبرها. هذه الطائفة تصف مصر مثلما تريد ايران ان تصفها».
لدى ابو حلموس المصري يوجد جواب واضح على النقد الذي وجهه جميل جمال الى اتفاقات كامب ديفيد: «بلادنا تؤمن باحترام كل المواثيق والاتفاقات الدولية التي وقعت عليها مع كل دول العالم، بما فيها إسرائيل النازية والعنصرية. وتعيين سفير في إسرائيل أو بث مسلسل لا يستند الى التوثيق التاريخي (والمقصود هنا المسلسل الدرامي «حارة اليهود»، الذي يبث في شهر رمضان)، لا يعني التطبيع مع إسرائيل».
يتبين إذن أن الوطنية المصرية الحقيقية تقاس اليوم حسب مقياسين: الموقف من إسرائيل والموقف من الاخوان المسلمين. ولكن بينما لا تحتاج «جرائم الصهيونية» الى التبرير، فان الرواية عن الاخوان المسلمين لم تحسم بعد، ومن هنا ضرورة فحص كيف تناولت الحركة القضية الفلسطينية. فهل قاتلوا ضد العدو ام اضروا الفلسطينيين، هل فرحوا عندما انتصرت إسرائيل على مصر في 1967، كما اتهمهم احد المتصفحين، أم حزنوا. ومتصفح واحد فقط، عرف نفسه بلقب «بدوي» خرب السطر بعض الشيء. «عندما اعادت إسرائيل سيناء كانت المنطقة مليئة بالمنتجعات والمشاريع. ولكن بعد التطبيع مع إسرائيل دمرت معظم المواقع. والان سيناء هي ارض جرداء ومنسية، تبث في قلوب سكانها احساسا بالكراهية تجاه كل الحكومات المصرية ولا سيما حكومة الاخوان المسلمين والحالية. لا ارهاب في سيناء، بل كراهية لكل ما يسمى مصر».
هآرتس 14/7/2015
تسفي بارئيل