إسمها في أزقة الأردن «ضربة راس».. في مصر تسمّى «روسية».. عند الإغراق في العامية تسمّى «نطحة».
وبالنسبة لفضائية الحدث بنسختها المصرية كانت تلك النطحة العنوان الرئيس لمقابلة متلفزة مع الحكم الدولي في كرة القدم ابراهيم نور الدين الذي كرر بلهفة العبارة التالية: «الراجل كان بيعتذر مني وفجأة ضربني بالروسية».
الراجل هو مدير إداري في فريق النادي الفيصلي يقال إنه شاعر غنائي ومؤلف أغنية«أنا دمي فلسطيني» للمطرب محمد عساف.
عموماً تلك «النطحة» ألهبت المتشنجين من مشجعي الفيصلي ولاعبيه في ملعب الإسكندرية وأمام الترجي التونسي فحاول كل منهم نطح الحكم ضعيف المستوى بطريقته قبل أن تندلع تلك الحرب التلفزيونية الكونية التي تتحدث عما فعله أردنيون يشجعون فريقهم في ملاعب الكرة المصرية.
طبعاً الفضائيات المصرية التي تتكاثر كالفطر..«عايزة جنازة وتشبع فيها لطم»، وتلك العلاقات «التاريخية» بين مصر والأردن لم تشفع في طي صفحة ما حصل في المباراة رغم أن جميع الأردنيين ومن كل لون وصوب وحدب استنكروا وشجبوا وأدانوا استعراضات الموتورين من مشجعي الفريق.
عموماً مجموعة محدودة جداً من المتشنجين الذين وفّر لهم أحد الأثرياء رحلة مجانية للإسكندرية أساؤوا لفريقهم أكثر من أي جهة أخرى، ولا يمكن حسابهم لا على أحد أعرق الأندية مثل الفيصلي ولا على أخلاق الأردنيين.
الحقني على الجسر
قبل تلك النطحة التلفزيونية كانت «سكاي نيوز» تتورط في لعبة أسمج، وهي تتابع بالتزامن مع شاشة عبرية معركة «المباطحة» بين عضو مجلس النواب الأردني يحيى السعود وعضو كنيست تقول صحافة إسرائيل إنه كان يعمل حارساً لأحد الأندية الليلية.
«مباطحة الجسر»… هكذا سمّاها الإعلام الدولي والقناة الثانية في تلفزيون العدو بثت مقابلة مع المصارع الإسرائيلي .
تفاعلاً مع ذهنية البسطاء احتفل بعض الأردنيين لأن المباطح الإسرائيلي تغيّب عن الحلبة فأعلن حكّام الفيسبوك فوز الأردني.
نتفهم الميول الاستعراضية والمشاعر الجياشة عند صديقنا السعود الذي يترأس لجنة فلسطين. ولو كنت مكانه لأذيت العدو ومؤسسة الكنيست والليكود بطريقة أسهل وموجعة أكثر، ولحاولت تقليد «رئيسي عاطف طراونة» الذي جمع وثيقة عن 155 تشريعاً مسانداً للتمييز العنصري أقرها الكنيست وهدّد بفضح المزيد.
لو كنت رئيساً للجنة فلسطين في البرلمان الأردني لابتكرت عشرات الطرق لمضايقة العدو الإسرائيلي بدلاً من الاسترسال لأغراض انتخابية في تنشيط مباطحة لم تحصل.
مثلاً فعلها مرة النائب الوطني والمحترم مبارك أبو يامين، وتحرك مع المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة إسرائيل في حربها على قطاع غزة باسم الشعب الأردني. الأردن وأعلم أنني سألام مجدداً هنا عالق ما بين المباطحة والمناطحة.. والحدق يفهم…من يباطح تقفز به صناديق الاقتراع لواجهة التمثيل، ومن فكّر بمحاكمة إسرائيل يخرج من لعبة الانتخابات والبرلمان بطريقة ليس وقت الخوض فيها الآن.
«لاقيني على الجسر حتى نتباطح»…قالها السعود للإسرائيلي المتعصب حضرت الكاميرات والهتيفة من الجمهور وغاب الإسرائيلي وهذه المرة والشهادة لله توجه صاحبنا للجسر بدون حمل ولو عرق ملوخية واحد.
فيلم «عدو الدولة»
مشكلتي تكمن حصرياً في النتيجة، فقد لوحق وعوقب كل من خاصم إسرائيل بجدية وبدون مباطحة لا معنى لها حتى طمع العدو وبدأ يلعب بـ«الطبق الأردني» نفسه ويتصرف بغرور وتطاول على الأردنيين دولة وشعباً. تريدون دليلاً.. إليكم هذا الخبر: يمنع الدكتور مروان المعشر الخبير الأبرز في الإسرائيليات من إلقاء محاضرة في النقابات المهنية كانت مخصصة حصرياً للدفاع عن خيارات الدولة والشعب في الأردن وفلسطين ضد غرور الاحتلال.
مانع المحاضرة لم يطلع على النص الذي أخضعه للمفرمة بسبب المتحدث وليس المضمون، والمعشر مشكوراً أطلعني على النص، وأنا أستذكر سؤالي القديم: كيف لا يظهر سياسي خبير من وزن المعشر على شاشة تلفزيون الحكومة للعام الرابع أو الخامس على التوالي؟
لسبب أو لآخر أتذكر الفيلم السينمائي الذي تبثه في الأعياد قناة «أم بي سي» الثانية باسم «عدو الدولة»، حيث تختار الحكومة في بلادي تصنيف نخبة من «أفضل الأردنيين» وأكثرهم خبرة ووطنية في قائمة الخصوم والأعداء.
هؤلاء لا يُسمع كلامهم، ولا يتحدثون لشعبهم، ولا تستضيفهم الموائد ولا موالد السياسة والبيروقراط .. وقريباً قد يعلن بعض الجهات أنهم ينبغي أن لا يدفنوا في مقابر المملكة، ولا يصلى عليهم، وينبذهم المجتمع فقط، وتقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف لأنهم يختلفون مع بعض المسؤولين وليس مع الوطن.. مع النظام أحياناً وليس عليه وفقط لأنهم صريحون «حبتين زيادة» في تشخيص الأخطاء والدعوة لمعالجتها.
يحصل ذلك رغم أن غالبية من يديرون الأمور من علية القوم الآن عملوا مع بعض «أعداء الدولة الجدد» في وظائف «سكرتاريا» في الماضي القريب، الأمر الذي سيقود حتماً للاستخلاص الوطني الموجع على اللسان الملكي، حيث «نخبة من المسؤولين السابقين لا يقفون مع البلد في الأزمات».
الملاحظة الملكية في غاية الأهمية، وواجبنا جميعا تتبع الأسباب لحصول مثل هذه الظاهرة المؤلمة.. أنا على الأقل أفهم الولاء والانتماء على هذا الأساس.
المتهمون بالغياب عند الأزمات وتحديداً من طبقة رجال الدولة الحقيقيين وكبار القوم وثقاته وثقاله لديهم ملاحظات تتعلق بأداء وواجب الطاقم المشار إليه، وتتعلق بعزلهم الملموس عن الرأي العام وعن المؤسسة من قبل الحلقات النافذة اليوم، واقتراحي أن يقوم الجميع بواجبه في التدقيق والتحقيق إمتثالاً للإنزعاج الملكي ومحاصرة للظاهرة.
بسام البدارين