من وحي الحرب الأهلية الاسبانية: التراجيديا الإنسانية كما صورها «أنطُونيُو بوِيرُو بَاييخُو»

حجم الخط
0

مدريد ـ «القدس العربي» من محمد محمد الخطابي: «لقد قيضَ لنا القدر أن نعيش أزمنةً صعبة، وتجاربَ مريرة، وكان الخطر الداهم المُحدق يتربص بنا في كل حين سواء إذا تحدثنا أم التزمنا الصمت». (من كلمة «باييخو» عند استلامه جائزة سرفانتيس عام 1986).
لم ينقطع الحديث في الأوساط الأدبية والمسرحية في إسبانيا، وفي العالم الناطق باللغة الإسبانية بعد الاحتفالات التي جرت على امتداد العام الماضي بمناسبة الذكرى المئوية لميلاد الأديب والمسرحي الإسباني «أنطونيو بويرو باييخو» (29 سبتمبر/أيلول 1916 ــ 29 أبريل/نيسان 2000)، الذي يعتبره بعضُ النقاد الإسبان من أبرز كتاب المسرح الإسباني المعاصر في النصف الثاني من القرن العشرين

السبع العجاف

خلال الحرب الأهلية الإسبانية التي اندلعت عام 1936 وحطت أوزارها عام 1939، ونظراً لمعارضة بويرو باييخو الصارمة لنظام الجنرال فرانسيسكو فرانكو العسكري والديكتاتوري، وتأييده العلني للجمهوريين زُج به في غياهب السجون لمدة سبع سنوات، وكان لتجربة هذه الحرب الأهلية الإسبانية الضروس التي عاشها، وتجربة السجن المريرة التي عاناها وعاشها على مَضض، وعانى منها الكثير من نظرائه المثقفين والشعراء والكتاب الإسبان، تأثير بليغ على نفسه، وعلى أعماله التراجيدية، وإبداعاته المسرحية، ومن ثم جاءت مناهضته الشديدة للرقابة في مجالات الفكر، والكتابة والتأليف، ودفاعه المستميت عن الحرية والانعتاق، وإحساسه العارم بمأساة الكائن البشري، حيث انعكست كل تلك المشاعر، وتفجرت هذه المعاناة والإخفاقات في مختلف أعماله الإبداعية، المسرحية منها على وجه الخصوص.

شاهد على أهوال عصره

كان الكاتب أنطونيو بويرو باييخو شاهدَ عيانٍ على مختلف الأحداث، والمآسي الدموية الأليمة، والوقائع المأساوية التي طبعت عصرَه الكئيب، وزمنه الشاحب الذي عاشته بلاده إبان الحرب الأهلية الإسبانية، والتي تركت آثاراً بليغة في مختلف أعمال وإبداعات الكتاب، والشعراء، والمبدعين الإسبان الذين عايشوا هذه الفترة العصيبة من تاريخ إسبانيا المعاصر، من أمثال فيديريكو غارسيا لوركا، ورفائيل ألبرتي، والرسام بابلو بيكاسو، وماريا ثامبرانو، وخورخي غيين، وفيسنتي ألكسندري، وميغيل دي أونامونو وسواهم .كان بويرو باييخو كاتباً ملتزماً في مسرحه، وفي مختلف كتاباته وحياته نحو قضايا الإنسان ومعاناته، وقد أصبح بذلك من أشهر الكتاب المسرحيين في إسبانيا، ومن ثم تتفجر في أعماله المسرحية معاني الاحتجاج، والإدانة والانتقاد، والسخط والتمرد والثورة والتطلع نحو السلم والتحرر والانعتاق. وبقدر ما كان باييخو حريصاً على رواية الأحداث التاريخية خلال هذه الحرب الممقوتة برمزية عميقة، كان كذلك حريصاً على انتقاء أسلوب أنيق ومبسط يتوافق مع استعمال الرموز، والإيحاءات هروباً، وفراراً وتنصلاً من الرقابة الفاشستية في عصره، فكان يلجأ إلى استعمال التعابير العامية الموحية والموفية المستوحاة من لغة الشارع اليومية، في أسلوب يعتمد على التركيب اللغوي المزجي البسيط، وقد أدرك بهذه الخاصية المتفردة مراتبَ عليا من الجمالية اللغوية في سلاسة تعبيرية، وطلاقة وتلقائية وعفوية، ذلك في زمن اتسم بالألم، والحزن، والبؤس، والشقاء، والفقدان خلال الحرب العالمية الثانية من جهة، ثم إبان الحرب الأهلية الإسبانية من جهة أخرى، التي جعلت شعباً واحداً يدخل في عراكٍ دامٍ، ومواجهة عاتية، وفي عداء سافر في ما بينه وبين مختلف فئاته، وطبقاته، وأطيافه، بسبب أيديولوجيات سياسية مستوردة ودخيلة. ولقد صور لنا بويرو باييخو في أعماله المسرحية مواقفَ درامية ومأساوية مؤلمة لهذه المواجهات وهذا التطاحن، كما سلط الأضواء على العديد من التناقضات التي كانت تعيشها إسبانيا في ذلك الحين، وعن الصراع ليس بين ما هو وافد أو وارد، أو أصيل، بل كذلك بين التقاليد والعادات المتوارثة، والتطلع نحو الانفتاح، والمعاصرة والحداثة في مختلف مناحي الحياة.

الظلام المُلتهب

يكمنُ تنوع مسرح باييخو كذلك في توحده، فعلى الرغم من تعدد مسرحياته، واختلاف عناوينها، وتباين مضامينها إلا أنها دائما كانت تصب في مصب واحد وهو معاناة الإنسان، ومآسيه، وتناقضاته، وتعنته وتكبره، وأخيراً احتراقه في ظلام دامس، متوقد، حارق ملتهب .ولباييخو بالفعل مسرحية تحمل هذا العنوان «الظلام الملتهب» كتبها عام 1946 أي عشر سنوات بعد أن وضعت الحرب الأهلية الإسبانية أوزارها، وقد تم عرض هذه المسرحية على مختلف مسارح إسبانيا عام 1950. وفي هذه المسرحية يضع باييخو المتفرجين (نحن) في المرآة ويعلمنا كيف لا نخشى ولا نخجل مما نرى أو يتراءى لنا فيها! إنه يضع أمامنا مركزاً لتعليم الشبان كلهم عميان منذ الولادة، وتطفو على سطح المسرحية حقيقة مُرة مفادها نكران حقيقة العمىَ لدى هؤلاء، وجعلهم يعيشون في قناعة محدودة لا تعدو المقاييس المتفق عليها بالنسبة لهؤلاء الذين أصيبوا بهذه العاهة. وفي بداية موسم دراسي جديد يلتحق بالمركز طالب يدعى إغناسيو الذي سوف يعارض ويناهض بشدة الأكاذيب الرسمية التي يروجها المركز حول العمى، والقول جهاراً وبكل جرأة أنه أعمى كما أن جميع الذين يتابعون دراستهم في هذا المركز هم عميان كذلك، وأن همهم الأول الآن هو رغبتهم في أن يصبحوا مُبصرين، أي أن يروا العالمَ مثل سواهم من البشر. ويشير الناقد الإسباني ريكاردو دوفيش إلى: «إن العمىَ هنا هو رمز لمحدودية الكائن البشري، وإن الرغبة في الرؤية أو النظر تعني التطلع نحو المطلق والضياء، وهذه هي المفاتيح الأساسية لفهم هذه المسرحية وبشكل عام لفهم مسرح باييخو في مجمله». ففي هذه المسرحية التراجيدية يسعى البطل وزملاؤه إلى الرؤية، رؤية العالم وأن بعض العاهات الجسدية أو النفسية (العمى) الجنون، الصمم..على سبيل المثال في معانيها العديدة: العزلة، الوحدة، الاكتئاب، المعاناة، أي عدم التمكن من معرفة الحقيقة أو رؤيتها إنما تعني تفجيراً لمأساة الإنسان في أسمى معاني الصراع الدرامي عنده، وهنا يكمن ما يسمى بالواقعية الجديدة أو الواقعية الاجتماعية في الأدب المعاصر، ومسرح باييخو يحفل بهذا الاتجاه، ذلك أن مسرحه بالأساس هو مسرح رمزي، وواقعي، وإيحائي في آن. فعندما كان البطل في أحد مشاهد مسرحية «الظلام الملتهب» أو الظلام الحارق يعبر عن رغبته العميقة في أن يصبح مبصراً، نرى الظلام فجأة وقد طفق ينتشر ويشمل رويداً رويداً خشبة المسرح، ثم يعم الظلام المسرح كله، فيغدو كل شيء في ظلام دامس، وفي هذه اللحظة يصبح الجميع بمن فيهم المشاهدون أو المتفرجون عميان مثل إغناسيو. وفي مسرحية أخرى لباييخو وهي «حلم العقل» يجعل المتفرجين يقاسمون صممَ الرسام الإسباني الشهير «غويا». وفي مسرحية «المؤسسة» يصبح جنون البطل هو جنون المشاهدين أنفسهم، وهذا الانغماس، أو الغوص بمعنى «المشاركة» يعتبر من أهم السمات التي يتميز بها مسرح باييخو.

الأسطورة وتراجيديات باييخو

في مسرح باييخو نجد ثلاثة محاور أسطورية أساسية تعتبر من أبرز مضامين المسرح منذ الإغريق: فأسطورة «أوديب» تتجلى في معالجة الكاتب لعاهة العمى كبُعد إنساني عميق ومؤثر بهدف تجلية الحقيقة، وهو هاجس تراجيدي معروف لدى الإغريق منذ يوربيديس، وسوفوكليس، وسواهما، وأسطورة أو حكاية «قابيل وهابيل» نجدها عند باييخو عند معالجته للحرب الأهلية الإسبانية والتطاحن والاقتتال بين الإخوة، ثم أخيراً أسطورة «دون كيشوت» التي تتوق لسبر أغوار المستحيل والتطلع نحو المجهول أو الغيب، أي اكتشاف ما وراء الأفق أو الظاهر، وهي ميزة أخرى تطبع مختلف أعمال باييخو، ومن هنا يكتسي أو يكتسب مسرح هذا الكاتب قيمه التراجيدية المأساوية، فرؤيته للعالم هي رؤية تختلف عن الرؤية المادية البحتة، بل هي نموذج من التفكير الطليق على غرار الفيلسوف الإسباني ميغيل دي أونامونة.

الدراما التاريخية

تعد أهم المميزات الأساسية للدراما المستوحاة من التاريخ هي القدرة على الربط بين الماضي والحاضر، وهنا تكمن مقدرة باييخو في الوساطة التراجيدية بين الزمنين. فمسرحيتاه «حكاية سلم» (1949) و»الظلام الملتهب» (1950) تعتبران تقصياً مهووساً للظرف التراجيدي للإنسان كعنصر بارز من عناصر التاريخ، بل إننا نجد هذا الهاجس في تقصي عامل الزمن في مسرحيتين أخريين شهيرتين للكاتب وهما: «الحاكم للشعب» (1958) و»الانفجار» (1974)، إن الفرق بين «الضمير المعتقدي» و»الضمير التراجيدي» لا ينحصر في تقبل الحقيقة أو تغييرها، بل على العكس من ذلك يكمن في عدم قبول انشراح المتفرج بإجابة أو تفسير يؤديان إلى تلاشي الصراع القائم، وإن الضمير التراجيدي يحول السؤال أو عملية التساؤل، والاستفسار إلى تناوش تراجيدي متداخل، بتفجير السؤال نفسه على خشبة المسرح، وبالتالي نجعل المتفرج مشاركاً بالضرورة في البحث عن الإجابة، ليس على خشبة المسرح وحسب، بل في الحيز التاريخي والزمني كذلك، والإجابة هنا رهينة بطبيعة الحال بمقدرة وكيفية تلقي المتفرج للسؤال وفهمه واستيعابه. وإذا تاملنا مسرحيات باييخو سوف نجدها حافلة بهذا التساؤل التاريخي، فتغدو التراجيديا وسيلة مفتوحة لا مغلقة، لأنه بذلك يستبدل مفهوم القدَرية بالحرية، مُحولاً إياها إلى المِحور المُحرك لنظرته التراجيدية للتاريخ، وتغدو المسافة الممتدة بين الكاتب والمتلقي للنص هي المسافة القائمة بين «الضمير التراجيدي» وتساؤله و»الضمير» وجوابه ولذلك تتحول الدراما إلى حقيقة تاريخية، ويظل المتفرج وحده باستطاعته تخطي الحواجز وتجاوزها وإيجاد الحلول المناسبة للصراعات المحتدمة في سياق التاريخ.

من وحي الحرب الأهلية الاسبانية: التراجيديا الإنسانية كما صورها «أنطُونيُو بوِيرُو بَاييخُو»

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية