كلام جميل سمعناه مع كل محطة تاريخية حتى تعطل مؤشر العاطفة لدينا من كثرة الخطب النارية والوعود البراقة. ولو أننا ربطنا ذاك المؤشر ببيانات الشجب والاستنكار والوعيد لكان انفجر منذ عقود. خطب وبيانات ولقاءات ومؤتمرات كلها وعدت الفلسطينيين بالخلاص، إلى أن جاء الرئيس أوباما مطلع عام 2009 مقدما في حزيران/يونيو من العام نفسه وأمام جمهور متحمس له ومولع بنجوميته في القاهرة خطابا ناريا عن حق الشعب الفلسطيني في الحرية والكرامة، وضرورة وقف الاستيطان الإسرائيلي وتطبيق حل الدولتين والعيش بأمن وسلام، حياة كريمة للفلسطيني خالية من الذل والمهانة.
أوباما الرئيس الصاعد آنذاك ألب قلوب الحاضرين والسامعين والمشاهدين، وحشد ضده جيشا من المناكفين الذين اعتبروا خطابه آنذاك مؤشرا على مؤازرته وتعاطفه مع الفلسطينين، استنادا إلى خلفيته الإسلامية، كما روج حينها.
أوباما الحالم عاد في زيارته الأخيرة لفلسطين، وتحديدا إلى القدس، لينطق وأمام جمهور من الشباب الإسرائيـــلي وخروجا عن النص بالكلمات ذاتها والمضمون ذاته من وعود وأمنيات وحقوق للشعب الفلسطيني.
وبين المشهدين كان الرئيس الأمريكي الداخل حتما إلى كتب التاريخ، قد قضى ولايته الأولى وبدأ في الثانية، ومع ذلك لم نر، فلسطينيا، تغييرا إلا للأسوأ، وإمعانا في الاستيطان والجدار والحصار، وكثير من النار كلها أمام ناظري أوباما، خاصة في الأعوام 2008 و2012 و2014.
اليوم تطالعنا وسائل الإعلام بخبر غريب: «أوباوما يأمر نتنياهو بالتراجع عن قراره مصادرة أربعة آلاف دونم !نتنياهو هو ذاته من تتابع الناطقون باسم البيت الأبيض الأمريكي لدعمه وشرعنة حربه الأخيرة على الشعب الفلسطيني، عبر التصريح مرارا بأن من حق إسرائيل «الدفاع عن نفسها». «الدفاع عن نفسها» كمحتل؟ سجن ربع الشعب الفلسطيني؟ وقتل الآلاف؟ وصادر الأرض؟ وسرق المياه؟ وحاصر القدس وغزة؟ وأهدر زمن المفاوضات بالمراوغة والمناورة؟ هذا المحتل القابض على مواطن القرار في أمريكا كما يقال، يؤمر اليوم بإلغاء قراره بمصادرة أرض فلسطينية كلام جميل وعجيب في آن! فهل يقود إلى يوم يأمر فيه أوباما نتنياهو بإنهاء الاحتلال والالتزام بقرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي؟ هل أسمع القارئ الكريم يقول: سؤالك هو «كحلم أبليس بالجنة»؟
اليوم وباختصار وبعد غزة التي كانت حربها أكثر من كارثة وأقل من قيامة، لا يمكن إلا أن تكون النتيجة سطرا واحدا: إنهاء الاحتلال وتحقيق الاستقلال
وتجسيد الدولة، اليوم ليس المطلوب من أوباما أوامر لنتنياهو بوقف مصادرة الأرض فحسب، بل أوامر لمندوبه في مجلس الأمن بعدم استخدام الفيتو عند تصويت الأعضاء على قرار إقامة الدولة الفلسطينية! حلم «أبليس بالجنة» مرة أخرى؟
اليوم يوم تطوير الوحدة الداخلية الفلسطينية وفض القضايا الخلافية والإحجام عن الاختلاف والتركيز على المعركة الدبلوماسية الأممية القائمة على ما زرعه الشهداء في غزة من نساء وأطفال وشيوخ من كرامة وعزة. اليوم فرصة الحسم التي لا تقبل القسمة ولا التشتيت لنكون جميعا أصحاب الأمر بالأمر، بعد أن ننهى أنفسنا عن كل ما مزق أحلامنا وامانينا على مدار سنوات الانقسام الطوال.
من يأمر من؟ متاهة لن تقبل التفسير.. تحتاج لنقابلها موحدين بقرار واحد
ووحيد: لا لاحتلال ممنوع من الصرف وعاطل عن الإنسانية.. احتلال لا بد وأن ينتهي.. اليوم.. وليس بعد كارثــــة ثانية وثالثة وحتى عاشرة!
٭ كاتب فلسطيني
د. صبري صيدم