لم تعد الصلاة مُجرد عبادة، يتقرب بها المسلم إلى الله، بل أيضا لغة احتجاج، وأسلوبا في «المُعارضة»، لقد صارت شكلا من أشكال المُمانعة، في الجزائر، وتكررت، هذا الصيف، مشاهد مُتشابهة، في كثير من مدن الجنوب: أُناس يلتفون حول قاعة حفلات، ينتظمون في صفوف، ويُقيمون صلاة الجماعة. الهدف منها منع حفل فني. جعلوا من الصلاة «سلاحا» ضد الفن، واتخذوا من الفنان «خصما» لهم. ورفعوا بعد التشهد والتسليم لافتات، تدعو إلى استثمار تكاليف الحفلات في خدمات اجتماعية (بناء مستشفيات أو مدارس)، ومن هنا تبدأ المغالطة الكبرى، التي عمّت جنوب البلد، في الأيام الماضية. فتكلفة حفل يُقيمه ثلاثة من المغنين المحليين، لن تتجاوز عشرة آلاف دولار. بهذا المبلغ نبني مستشفى أم مدرسة؟ طبعا لا.
منذ استقلال البلد (1962)، يشعر سكان الجنوب بهوة تفصلهم عن نظرائهم في الشمال، يحسون كما لو أن ما يُشبه جدار برلين يفرق بينهم، ويزداد حنقهم بحكم أن البلد كله ينهض على البترول والغاز، الذي يخرج من تحت أرجلهم، وهم محقون في امتعاضهم، وفي غضبهم من التقسيم غير العادل للثروات، ولكن هل يصح أن نجعل من الفن درعا للضغط على الحكومة؟ نفرغ الغضب في الفنانين، ونتجاهل أصل المشكلة، التي هي سياسية، ولم تكن أبدا ثقافية. إن تلك الصلوات التي أُقيمت، ومن المُحتمل أن تتكرر، في أكثر من مكان، مستقبلا، ليست سوى خطوة أخرى نحو تفريغ الفن من شرطه الأساسي: الحرية، وضربة في ظهر الفنان وسعي إلى تخويفه وتحييده في مكانه الطبيعي، المجتمع، وابتذال لمعركة وهمية، اعتقدنا أن الجزائر قد تخلصت منها، في نهاية التسعينيات، التي عرفت عنفا غير مسبوق، يتناظر فيها الفن مع الدين.
ما يغيب عن الأذهان، في الغالب، أن الفنان الجزائري يعيش في الدرك الأسفل، هو أيضا مواطن يدور في حلقات مفرغة، يُعاني على أكثر من صعيد، ولا ننتبه إلى حاله وشكواه. نعتقد أنه في بحبوحة، كما هو حال فنانين من دول أخرى، تلهث خلفه الكاميرات ووسائل الإعلام، بينما في الحقيقة، هو يموت أكثر من ميتة، قد يستدين ويتسول ـ أحيانا ـ قبل أن يصعد إلى منصة، أو يُشارك في حفلة عمومية، يتعرض لابتزاز ولسرقات، ويشقى في الركض خلف حقوقه، والدفاع عنها، التي لم توفرها له المؤسسة المعنية بحقوق المؤلف، ولا يجد فرصة في كسب لقمة عيش سوى في فصل الصيف، الذي تنتظم فيه حفلات ومهرجانات، وبقية أشهر العام يقضيها عاطلا عن العمل، فمن سبتمبر/أيلول إلى مايو/أيار، تدخل الجزائر في سبات فني، ثم في الأخير، وهو يقطع المسافات، إلى الجنوب الكبير، بغرض إسعاد الناس والتخفيف عنهم، وبدل أن يتضامنوا معه، ضد الوزارة التي أوصلته إلى ما هو فيه، ينتظمون في صلاة، ويتركون المساجد شاغرة، ويعلنون الفنان مسؤولا عن الوضع الهش، الذي تغرق فيه البلاد.
النقطة المُشتركة بين كل الحفلات، التي أقام ناس أمامها صلوات، لمنعها، أنها ضمت بعضا من وجوه الراي. فهذا النوع الغنائي وبعدما عانى وما يزال من المُحاكمات الأخلاقية، من فتاوى وتكفير، ومن الشيطنة والإساءات، ونعته، في كثير من الأحيان، بالمجون، ها هو يجد نفسه اليوم في مواجهة رفض صريح، من أقلية وليست أغلبية، لكنها الأقلية الأكثر صخبا، بحكم أن أغاني الراي يتوافد عليها الملايين، كل عام، ولا تخلو الحفلات العائلية، من وصلاتها، هناك إذن حساسية تجاه نوع غنائي بعينه، وليس تجاه الفن إجمالا، وهو ما عجز الناقمون على الحفلات، التعبير عليه، بشكل سليم. وهناك أيضا ميل نحو وضع حدود للراي، يُريدون أن يرسموا له خريطة لا يخرج منها، وضبطه بقاموس كلمات، لا يتعداها، وأن نلزم مغني الراي بلباس محتشم، خصوصا المغنيات منهم، فمن بين أسباب رفض الراي، في بعض الأوساط الاجتماعية، هي الحرية ودفاع مغنيات الراي عن أنفسهن، وظهورهن في فيديوهات أو في حفلات خاصة، بما يحلو لهن، من زي أو تسريحات شعر، ومجاهرة بكلام، يخرج من صلب الجزائري، يعبر عن محن الجزائري، لكنه يخجل من سماعه في العلن.
إن المدن التي احتج أهلها على الفن، لا يُعرف عنها، تاريخيا، التشدد الديني، بل هي مدن تتسع فيها الطرق الصوفية، التي تستمد من الموسيقى تعاليمها، فمثلا مدينة الأغواط، التي أقام فيها الناس صلاة المغرب جماعة، أمام دار الثقافة، احتجاجا على ثلاثة من شباب الراي، هي عاصمة الطريقة التيجانية، التي يتبعها ما لا يقل عن 150 مليون مريد، في عشر دول إفريقية، بالتالي ليس من المُفيد المُزايدة، أو قذف الرافضين بما ليس فيهم، التحجج بالتزمت والأصولية، كما سقطت في ذلك صحف وتلفزيونات، في الأيام الأخيرة، حيث وصل الأمر بيومية وطنية أن وصفت المحتجين بأقدح الأوصاف، وجريدة أخرى اعتبرت ما حصل إنما هو عودة بطيئة لسنوات الإرهاب، في التسعينيات، وليس من العدل التحامل على «الجنوبيين»، فالقضية هي ابتزاز ثقافي، بالدرجة الأولى، وليست جنوحا إلى الدين، وشعور بالكبت عند مواطني تلك المناطق ثانيا. فلو أن تلك الحفلات شارك فيها مغنون من المدن نفسها، ما كان ليحدث ما حدث، ولو أن وزارة الثقافة، التي تبنت تلك الحفلات، تحت شعار: «لنفرح جزائريا»، تفهمت خصوصية المناطق التي تتوجه إليها، لتجنبنا تلك المظاهر الغريبة، واحتشاد الناس والصلاة جماعة ضد حفلات. لقد قامت وزارة الثقافة ببرمجة مغنين محسوبين على الشمال، وهذا ما ضاعف من كبت الجنوبي، الذي يشعر في عمقه، أنه مظلوم من الحكم المركزي، القابع في عاصمة البلاد، ثم في أوقات الفرجة، لا يسمع صداه، بل عليه أن يستمع إلى مغنين يأتون من مدن بعيدة عنه. هنا برزت واحدة من المشاكل العالقة في الجزائر، التي من تجاهلها كبرت وتضخمت، مثل كرة ثلج، وهي الشعور بالفوارق بين سكان الجنوب وسكان الشمال. وعليه، لفهم ما وقع، يجب أن لا نبحث وسط المُصلين، ولا عمن أطلق هذه الفكرة العجيبة، بل يجب أن نختصر الطريق إلى وزارة الثقافة، التي ما تزال عاجزة عن فهم آراء وميولات الناس، لا تعرف كيف تتعامل مع رغباتهم وتستفزهم، بما لا يطيقون، تتعدى على رغباتهم في أن يسمعوا غناء يمثلهم، وتبعث إليهم من هو بعيد عليهم، ولم يجدوا حلا في إبلاغ رسالتهم سوى الصلاة جماعة؛ الظلم هو إمامهم، والشعور بالقهر حرك نزعتهم لرفض الحفلات الفنية، وهذا من دون أن تتدخل الوزارة أو تعتذر عن سوء الفهم وما بدر منها من خلل.
٭ روائي جزائري
سعيد خطيبي