من يتحمل مسؤولية العمل من أجل «المشروع البديل»؟

نبدأ بالرد على سؤالنا المعلق على من نراهن في حمل مسؤولية المشروع البديل الذي يواجه المشروع الصهيو أمريكي المعروف بـ «الشرق الأوسط الكبير» أو الجديد؟ والرد على هذا السؤال يعني الوصول إلى مشارف مرحلة شبه نهائية تسبق تنفيذ الفكرة.. ومن يقع عليه عبء التصدى لهذه المسؤولية عليه تحديد الجهد المطلوب وطبيعته ومستواه..
وبداية فمثل هذا الجهد يندرج تحت توصيف العمل النوعي الجماعي غير التقليدي.. ويضع بذرته نواة مؤمنة بجدواه وأهميته، ومستعدة لبذل الجهد لعودة روح التماسك الضائعة فيالقارة العربية، ووقف تقسيمها وفق خريطة الشرق الأوسط الكبير أو الجديد، التي يجري تنفيذها من سنوات..
المهمة الأولى لهذه النواة هي وضع دليل عمل؛ أو خارطة طريق بالتعريف الأمريكي، والانطلاق منه لمرحلة التنفيذ القادمة.
والمهمة الثانية خلق إرادة عامة رافضه للتقسيم والحروب الأهلية والتهجير القسري، وكان غياب هذه الإرادة هو الذي تسبب في وضع القارة العربية بكاملها في حالتها المتدنية التي تعيشها اليوم..
والمهمة الثالثة هي التأكيد على أن مشروع الشرق الأوسط الكبير الراهن لا يقل سوءا عن مشروعات شبيهة سبقت في خمسينات القرن العشرين، ولم يكتب لها البقاء، وحملت بذور فنائها، ومنيت بالفشل والهزيمة!..
أما عن المؤهل لتحمل مسؤولية المشروع البديل.. هل هو بلد؟.. أم نظام حكم؟ أم تيار أو حزب أو جماعة؟ أم أنها الأمة بهيئاتها ومنظماتها المنتخبة وتلك التي تستمد قيمتها ووزنها من التعبير عن مصالها المشروعة؟.. وهل هناك بلد مؤهل وآخر غير مؤهل؟ وما الموقف من بلاد انشغلت بحالها الداخلي دون أي اهتمام بمحيطها العربي والإقليمي؟ وما الحل في بلاد متورطة وصنعت مآزقها بنفسها ولنفسها، وتعقدت أزماتها الداخلية والإقليمية والدولية؟..
وهناك من ادعى الانشغال بـ «المشروع البديل».. وذلك مشكوك في صدقه، ويتحول ذلك الادعاء لمجرد شعار يُتَّخذ تكئة للاستهلاك السياسي، والتضليل الإعلامي، مع التذرع بضغط المشاكل الذاتية وقلة الحيلة، بما لا يتيح الفرصة ولا الوقت لتحمل أي مسؤولية.. ومع ذلك يوجد فائض وقت ومال وسلاح وبشر؛ يسمح بالتورط في حروب أهلية وبينية؛ نفسية وإعلامية ومالية وعسكرية.
والكل مشغول بتوفير كل ما يحفظ الحاكم ويقوي علاقته بواشنطن ولندن وبرلين وباريس وتل أبيب وبروكسل.. ومنهم من يكتفي بتلبية ما يطلب منه دون عناء السؤال.. وكثير من المعطيات تؤكد انسحاب المؤهلين لتحمل مسؤولية بهذا الحجم، والمشكلة في أن الذين يحتلون صدارة المشهد السياسي، ويملأون الفضاء الإعلامي هم أصل المشكلة، ولم يكونوا يوما جزءا من الحل!!.
وبخصوص الرهان على واحدة أو أكثر من دول القارة العربية فهناك ما يشبه الإجماع على أن مصر دولة مؤهلة لهذا الدور؛ وهذا تتنازعه قناعات كثير من أصحاب الرأي والخبراء والمثقفين والمفكرين بأنها مؤهلة؛ إذا ما كان مسؤولوها جادين في استئناف دورهم الوطني والعربي والافرو آسيوي والدولي.. وفيه قوتها وقوة العرب معا.. وهذه القناعات تغيب عن فكر أصحاب القرار، ولا تتناولها برامجهم ولا سياستهم أو تحركاتهم، وهذا خلل صنع إجماعا رسميا معاكسا؛ وجد الملاذ في الاعتماد على «دولة كامب ديفيد».. وصار ذلك واضحا بعد ثورة 30 يونيو.. وهو أمر مستغرب، ومتناقض مع مواقف الاتجاهات الوطنية والثورية.
وزاد تعقيد الموقف بطلب مساعدة وتدخل صندوق النقد الدولي والقبول بشروطه المجحفة، وكأن الإدارة المصرية تتفنن في جلب كل ما يزيدها حرجا، وهذه مؤشرات للجهالة والبلادة الذهنية؛ في بلد يعاني تخمة في إمكانياته وقدراته البشرية والعلمية والمهنية والاقتصادية.. وليست في حاجة لاستعادة خبراء صندوق النقد سيئ السمعة، وإلحاقهم بالوظائف المالية والمصرفية والاقتصادية العليا، وتهيئة الرأي العام للقبول بعودة من عملوا تحت إدارة الرئيس الموازي السابق جمال مبارك.. وإعادة الاعتبار لأكثر عدد من المتورطين في بيع مصر؛ مثل محمود محيي الدين، الذي أُنْقِذ من الملاحقة القانونية والجنائية في أعقاب ثورة 25 يناير 2011.. وحاز على كفالة حماية الصندوق له وتعيينه في منصب مالي دولي رفيع.. وهي تحية مردودة بأحسن منها..
وعليه لا يجب أن يُفاجأ المرء برد الاعتبار ليوسف بطرس غالي وزير مالية جمال مبارك.. والذي وفرت له المنظمات المالية الدولية ملاذا آمنا في لندن، ولم يمسسه سوء.. وقرب عودة هذه الشخصيات يرسخ عودة الظلم الذي يؤذن بخراب العمران حسب وصف عبد الرحمن بن خلدون، ويضع مصر تحت الوصاية والرقابة المالية الأمريكية والأوربية!.
والرئيس السيسي يعلن مع كل طلعة شمس التزامه الصارم بشروط الصندوق، وترفع حكومته الدعم وتشعل نار الأسعار بشكل يومي.. ضاربة عرض الحائط بتحذيرات الخبراء ومقترحات وحلول الاقتصاديين لتجنب الفشل المتوقع؛ وتمكين أخطر المؤسسات المالية والاقتصادية من الهيمنة على مقدرات شعب؛ سلمت حكومته بعجزها وأقرت عدم الاعتماد على شعبها ومواردها، ومعونة أشقائها وأصدقائها.. وفضلت طلب الديون ومد اليد..
وهناك من فسر ذلك بأنه تأديب للطبقة الوسطى والمثقفين والبسطاء وذوي الدخل المحدود؛ تأديبا لهم على أدوارهم البطولية في ثورتي يناير 2011 ويونيو 2013.. ونزع الجدارة عنهم بعد أن ضربوا أروع الأمثلة في التضحية والاستشهاد، ومنطق التأديب تجاه هذه الملايين جعل مصر الرسمية غير مؤهلة لأي مهمة وطنية وقومية وتاريخية من هذا النوع وعلى هذا المستوى.
وبالنسبة للتيارات والأحزاب الحاكمة والمعارضة فهي معفاة من المسؤولية.. وكثير منها يعاني من فقدان الرشد السياسي والاجتماعي، ولا يعنيها العمل في أي نشاط يواجه مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد، ولا يرد في خطاباتها ولا رسائلها الإعلامية والدعائية، ولا وجود له في برامجها.. ولها نصيب فيما آلت إليه البلاد من تدهور، ومن تجبر أباطرة المال وتوحش أمراء الفساد!.
ويأتي الاعتماد على شخصنة الانجازات؛ غير الخاضعة للتخطيط ولقياسات الجدوى؛ ليؤدي إلى نشر ثقافة التبديد وإهدار الموارد، وإضاعة المساعدات والقروض، والاحتفاظ بأموال الصناديق الخاصة سرا ليس من حق أحد معرفته، بما فيها «صندوق تحيا مصر».. غير الخاضع للرقابة؛ سواء كانت تشريعية أو قضائية أو إدارية.. وأصبح للتبديد خبراء؛ يبددون بيد وتعوضهم تشريعات الجباية الصادرة عن مجلس النواب باليد الأخرى. بجانب أن من استعان بهم الرئيس السيسي ووضعهم في أرفع المناصب نجحوا في جلد ظهر أبناء الطبقة الوسطى ومحدودي الدخل والفقراء بسوط الأسعار ونار الجباية «المملوكية»!!.
وهناك شروط من الواجب توافرها في التصدي لمشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد منها شرطان مهمان:
الأول شرط الشمول، فالمواجهة الجزئية أو الانتقائية قيمتها منعدمة؛ ولا تقبل بسياسات ومخططات مختلة في مجال وترفضها في مجال آخر؛ فما لا يُقبل بشأن فلسطين والعراق، ولا يجب التسليم به في سوريا وليبيا أو السودان واليمن والصومال، ولا يكون علاج الأزمات الداخلية بالتجاهل أو السكوت، وهذا انفصام يخل بقواعد المواجهة، يصل بمستوى النجاح فيها إلى درجة الصفر إن لم يكن بالسالب.
والثاني إيجاد جبهة واسعة؛ تجمع الراغبين والقادرين على المشاركة والعمل.. مع مراعاة التحديات والصعوبات البادية للعيان من حكومات عربية تقبل بـ «الشرق الأوسط الكبير» أو الجديد، وتطالب بمنحه فرصة، وحكومات أخرى لا تقوى على معارضته، ومهمة الجبهة المطلوبة حشد أوسع القوى النقابية والمهنية والأكاديمية وجماهيرها؛ المُستفَزة من صعوبة الحياة ومن البلطجة الأمريكية والإرهاب الصهيوني، واستغلال المؤسسات والمنظمات المالية الظالمة.
والشباب يلعب دورا رئيسيا في الوقوف خلف المشروع البديل.. بجانب هناك تجارب عديدة من الممكن أن توضع على بساط البحث والدراسة.. وهناك رموز وشخصيات تركت تراثا وإرثا ضخما؛ يمد المتحمسين والقادرين على المواجهة بالطاقة.. ويثبت أن جذوة التصدي لمثل هذه المشروعات لم تنطفئ.. وسوف نتعرف معا على بعض ذلك الميراث وعدد من مفكريه ورموزه.

٭ كاتب من مصر

من يتحمل مسؤولية العمل من أجل «المشروع البديل»؟

محمد عبد الحكم دياب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية