بغداد ـ «القدس العربي» ـ مصطفى العبيدي : مخاوف حقيقية تجتاح الشارع العراقي عقب الإعلان عن نتائج أولية للانتخابات التي جرت في 12 من الشهر الحالي، من احتمال لجوء بعض القوى السياسية الساعية للسلطة، إلى افتعال أزمة في البلاد لإفشال الإرادة الشعبية في وصول القوى الإصلاحية إلى الحكومة.
ورغم أن النتائج الرسمية الأولية أظهرت تصدر تحالف «سائرون» الذي شكله التيار الصدري وحلفاؤه العلمانيون، فليس مؤكداً أن هذا التحالف سيكون قادراً على تشكيل الحكومة المقبلة، حيث يبدو المشهد السياسي في غاية التعقيد ومفتوحا على كل الاحتمالات، مع وجود جناحين شيعيين يتنازعان لتكوين الكتلة الأكبر التي ستقوم بتشكيل الحكومة، أحدهما بقيادة كتلة «سائرون» التي حققت (حتى الآن) تقدما في الانتخابات وتسعى لحكومة إصلاحات ذات استقلالية بعيدا عن التأثير الخارجي، وكتلة يقودها زعيم حزب الدعوة وحليف إيران نوري المالكي.
ووفق آلية العملية السياسية، فان تحالفات القوى الفائزة في الانتخابات، وليس نتائج الانتخابات، هي التي تحسم الموقف لتشكيل الحكومة، ولذا يبذل الجناحان مساعي محمومة للاتصال بالقوى الفائزة من الشيعة والسنة والكرد لبحث مطالبها وشروطها مقابل الانضمام لكتلة الأغلبية.
وانطلقت تحذيرات من مؤامرة تنسجها قوى محلية مدعومة خارجيا، لتحويل انتصار تحالف «سائرون» إلى هزيمة، في تكرار لسيناريو انتزاع تقدم زعيم حركة الوطنية اياد علاوي لصالح نوري المالكي في الانتخابات السابقة، في ظل استعداد تلك القوى للجوء إلى كل السبل للفوز بغنيمة السلطة حتى إذا تطلب الأمر خلق أزمات في البلد.
ويتفق العراقيون، على انه لم تشهد أي انتخابات سابقة، ما جرى في الحالية من سيل لا ينقطع من الخروقات والمخالفات والتجاوزات المفضوحة، التي قامت بها مفوضية الانتخابات وبعض الأحزاب المتنفذة، من أجل التلاعب بنتائجها.
وأقر عضو مفوضية الانتخابات سعيد كاكائي في مؤتمر صحافي بوجود خروقات وتلاعب وأخطاء كثيرة في عمل المفوضية خلال الانتخابات الأخيرة وتعمدها عدم الاهتمام بشكاوى واعتراضات القوى السياسية، بالتزامن مع أنباء عن تعرضه للتهديد بالقتل هو وعائلته إذا تحدث عن تلك الخروقات.
وأدى ذلك إلى خروج تظاهرات شعبية واسعة واعتصامات أمام مقرات المفوضية وخاصة في كركوك والأنبار والسليمانية، ما دفع رئيس البرلمان سليم الجبوري إلى الدعوة لعقد جلسة طارئة لبحث الخروقات، كما أحال رئيس الوزراء العبادي مجلس المفوضية إلى النزاهة للتحقيق معها، في وقت دعا فيه الممثل الأممي يان كوفيتش المفوضية إلى التحقيق الفوري بشكاوى الانتخابات.
ووسط هذه المعمعة، يبدو ان حزبي بارزاني وطالباني، هما الفائزان الأكبر في الانتخابات التي حققت لهما أهدافهما في الاحتفاظ بسيطرتهما على الإقليم وتحقيق عدد جيد من المقاعد، وسط اتهامات لهما بالتزوير من قبل ستة أحزاب كردية، وصل إلى حد اتهام القيادي البارز برهم صالح، السلطة بـ«مصادرة حق التصويت من المواطنين».
وقد حقق الحزبان نتائج غير متوقعة في انتخابات بعض المناطق مثل كركوك ونينوى مستغلين خلافات القوى السنية والتركمانية وفشلها في فهم قواعد لعبة الانتخابات. كما يسعى الحزبان الرئيسيان لاستغلال حاجة الكتل الفائزة في بغداد إلى الأغلبية لتشكيل الحكومة، من خلال التحرك على جميع الكتل لاختيار التحالف مع الجهة التي تضمن لهم أهدافهم وشروطهم بغض النظر عن سلامة توجهات تلك الكتل.
وعززت حكومة أربيل موقفها بعد زيارة مبعوث الرئيس الأمريكي بريت ماكغورك إلى الإقليم ولقائه بمسعود بارزاني الذي كان غائبا عن الأحداث العلنية بعد تداعيات الاستفتاء على الاستقلال، حيث أبدى المبعوث الأمريكي حرص بلاده على دور كردي قوي ومؤثر في بغداد، في تصريح فسره المراقبون انه يندرج في سياق تصاعد الصراع بين أمريكا وإيران على الساحة العراقية عقب الغاء الاتفاق النووي.
وكالمعتاد، لم تكن إيران بعيدة عن المشهد العراقي عندما وصف علي أكبر ولايتي مستشار المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، نتائج الانتخابات النيابية العراقية بأنها «جيدة جدا» وسط أحاديث الأوساط السياسية عن تحرك الجنرال الإيراني قاسم سليماني واتصالاته مع الزعماء الشيعة والسنة والكرد، لبحث التحالفات وتشكيلة الحكومة المقبلة بما يؤدي إلى كبح طموحات التيار الصدري وحلفاءه في استلام السلطة وتنفيذ مشروعهم الإصلاحي.
ويتحدث العراقيون ان صراع القوى السياسية على نتائج الانتخابات ولجوء معظمها إلى كل السبل المشروعة وغير المشروعة للبقاء في السلطة، وليس لخدمة الشعب، مع استمرار التدخل الخارجي، هو تأكيد لصحة قرار غالبية الشعب العراقي بالعزوف عن الانتخابات الذي انعكس عبر أدنى مستوى مشاركة فيها منذ 2003 في تعبير عن يأس الشعب من امكانية حصول التغـيير، في ظـــل غيـاب الشــفافية عن العملية السياسية والأحزاب المتنفذة التي أثبتت ان أي حديث عن نزاهة الانتخابات وتعبيرها عن إرادة الشعب، هو بعيد عن الواقع بالتأكيد.
11TAG