من يذبح الغزيين يستدعي الإرهاب في الضفة

حجم الخط
0

أحد الادعاءات المنتشرة بخصوص أسباب الاحتجاج الفلسطيني الواسع قرب الجدار في قطاع غزة يربطها بالأزمة الاقتصادية الشديدة التي تصل إلى حافة الكارثة الإنسانية التي تسود في القطاع تحت حكم حماس والحصار الإسرائيلي. ولكن يمكن الافتراض أنه إذا استيقظنا في يوم ما على واقع «غزة أخرى»، قطاع مزدهر بفضل الفهم البراغماتي الذي تبّناه القادة الجدد والذي يرضى عنه السادة الإسرائيليون فإنه حتى في ذلك الحين كنا سنكون شهوداً على محاولات متكررة للغزيين للوصول إلى الطرف الآخر من الجدار المسمّى من قبل الإسرائيليين «الحدود بين غزة وإسرائيل».
أجل، خلافاً للفرضية الخاطئة التي سادت مؤخراً في الخطاب الإسرائيلي، فإن سكان القطاع ليسوا «غزيين» بل فلسطينيون، يحملون هوية وطنية فلسطينية. في نظرهم قطاع غزة يشكل جزءاً صغيراً من وطنهم الحبيب ـ فلسطين ـ التي تشمل بدرجة متساوية القدس ورام الله، الخليل وبيت لحم، يافا وحيفا وعكا والناصرة.
حقا، وضع الوعي هذا ليس أمراً غير منقلب. أجل، أحيانا ليست لديكم عملية بسيطة أكثر في التاريخ الحديث للقومية من إنتاج واقع ووعي قومي جديد من خلال شبكة تقسيمات وعمليات فصل جغرافية، حيث أن القومية الفلسطينية نفسها في بدايتها ـ كذلك أيضاً الكيان المصطنع المسمّى «دول عربية» ـ تمثل مثالاً واضحاً على القومية التي نشأت بسبب تدخل خارجي كولونيالي في الفضاء العربي الشرق أوسطي قبل مئة سنة. حيث أن عملية التطور التدريجية والطبيعية للقومية الحديثة في هذا الفضاء كان من شأنها أن تؤدي إلى ظهور الدولة القومية العربية الواسعة. وهكذا يمكن بالتأكيد تخيل السيناريو الذي يقول إنه بعد فترة جيل آخر من السجن خلف الجدار، فإن القطاع سينبت أمام أنظارنا الوعي الوطني الغزي، الذي يميز نفسه أكثر فأكثر عن الهوية الجماعية لباقي الفلسطينيين.
هذا هو الأمل الكبير لإسرائيل، بأن التحطيم العنيف للأمة الفلسطينية وطردها هو أمر مشروع لسياستها تجاه الشعب المجاور. ولكن رغم روح المحتل الإسرائيلي، فإن هذه السياسة تجد صعوبة الآن في تحقيق نتائج حقيقية على مستوى الوعي. خلاف هذا الامر: التقسيم المتواصل للجسم الوطني الفلسطيني بواسطة جدران وأسوار ومستوطنات يزيد ويعمق التوق الطبيعي لتحرير وطنه القومي وأن التعبير الشجاع والبطولي وجده هذا التطلع في الاحتجاج الغزي الاخير ضد نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.
من الواضح أن الطموح العنيد للاقسام الاكثر راديكالية من القومية الفلسطينية لتحرير الوطن، بما في ذلك تحقيق حق العودة، يثير لدى الإسرائيليين الرعب والخوف. حيث أن التحرير الوطني لفلسطين يعني انشاء فلسطين الكاملة بدلا من إسرائيل، وهي عملية عنيفة وقاسية، التي معناها في نظر الإسرائيليين سرقة وطنهم الغالي والحبيب. ولكن يطرح السؤال هل التهديد الرمزي هذا والمغلف بصورة نظرية بـ «مسيرة العودة» لفلسطينيين غير مسلحين تجاه جدار غزة، يكفي لتبرير إطلاق النار الحية على المتظاهرين؟.
في نظر عدد كبير من الإسرائيليين ـ كما يبدو في نظر معظمهم ـ فإنه من المفهوم ضمنا أن الاجابة على هذا السؤال هي بالايجاب. دان مرغليت في المقال الذي نشره هنا في 17/5 كان معبراً عنه عندما ادعى بأن «في المعركة على الجدار الذي يفصل بين إسرائيل وغزة لم يكن امام الجيش الإسرائيلي أي خيار»، سوى إطلاق النار على المتظاهرين من أجل القتل.
ولكن إذا كان تهديد رمزي ـ خيالي لسلب الوطن وسحب السيادة من الإسرائيليين، لا يترك للجيش الإسرائيلي خياراً سوى قتل الفلسطينيين غير المسلحين ـ ماذا بشأن الخيار الماثل امام الفلسطينيين في الضفة الغربية، في الوقت الذي فيه سرقة الوطن ومصادرة السيادة ليست من ناحيتهم هي مجرد كابوس غير متحقق، بل جزء أساسي وملموس من واقع حياتهم اليومية؟ إذا قمنا بتبني المنطق المشوّه لتبرير إطلاق النار على المتظاهرين الغزيين أمام الجدار فإن الاجابة على السؤال ستكون صعبة على الهضم، لكنها مفهومة ضمنا، الخيار الفلسطيني في الضفة هو بين المقاومة المسلحة ضد جنود الجيش الإسرائيلي وبين الإرهاب تجاه المستوطنين أو كلاهما معاً. أجل، هذان العاملان، الجيش والمستوطنون، يجسدان بالنسبة للفلسطينيين في شخوصهم وأعمالهم تحقيق ذاك الكابوس الذي بالنسبة للإسرائيليين يكفي فقط تخيله من أجل قنص مئات الاشخاص من دون تمييز.
من الافضل إذاً أن الإسرائيليين الذين يبررون من دون أن يرف لهم جفن ذبح الفلسطينيين الغزيين بسبب تهديدهم بتحقيق حلم العودة وتخريب إسرائيل، لم يتداعوا إزاء الاصوات التي ترى في الإرهاب القاتل الفلسطيني وسيلة نضال شرعية ضد نفس أولئك الإسرائيليين، الذين يجسدون في كل يوم حلم عودتهم بصورة فعلية ويخربون بذلك فلسطين.

هآرتس 30/5/2018

من يذبح الغزيين يستدعي الإرهاب في الضفة

دمتري شومسكي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية