من يصنع السياسة الخارجية في تونس؟

حجم الخط
2

تونس – «القدس العربي»: نص الفصل 77 من الدستور التونسي الجديد على أن رئيس الجمهورية يتولى تمثيل الدولة ويختص بضبط السياسات العامة في مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي المتعلق بحماية الدولة والتراب الوطني من التهديدات الداخلية والخارجية وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة. كما جاء في الفصل ذاته أن رئيس الجمهورية يتولى أيضا إعلان الحرب وإبرام السلم بعد موافقة مجلس نواب الشعب بأغلبية ثلاثة أخماس أعضائه، وإرسال قوات إلى الخارج بموافقة رئيسي مجلس نواب الشعب والحكومة، على أن ينعقد المجلس للبت في الأمر خلال أجل لا يتجاوز ستين يوما من تاريخ قرار إرسال القوات، كما يتولى أيضا المصادقة على المعاهدات والإذن بنشرها.
ولم ينظم الدستور التونسي الجديد العلاقة بين كل من رئيس الجمهورية ذي الصلاحيات الواسعة في مجال السياسة الخارجية، وبين صاحب القصبة (رئيس الحكومة) ذي الصلاحيات الواسعة في مجالات أخرى. كما لم ينظم العلاقة بين ساكن قرطاج و»سيد الدبلوماسية» وهو ما سيخلق لاحقا إشكاليات على مستوى التطبيق خاصة وأن الخضراء حديثة عهد بالديمقراطية واعتادت لعقود على الرئيس الأوحد الذي يقرر لأعوان تنفيذ برتبة وزراء.
المسألة الليبية
ولعل الموقف مما يحصل في ليبيا المجاورة كان البداية ليكتشف الرأي العام في تونس أن هناك خللا ما في السياسة الخارجية تسببت به في الأساس الضبابية التي طغت على نصوص الدستور الجديد والتي تبدو بحاجة إلى قوانين ونصوص ترتيبية لتفسيرها. نصوص توغل في التفاصيل ولا تدع شاردة ولا واردة حتى لا تترك مجالا لتأويل النصوص الدستورية بحسب المصالح والأهواء باعتبارها عامة ومقتضبة في الصياغة.
لقد التزم الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي الصمت حول كثير من التفاصيل في علاقة تونس ما بعد المرحلة الإنتقالية مع الجارة ليبيا، وكان الكل يدرك أن الخضراء تتعامل مع حكومتي طرابلس وطبرق من منطلق براغماتي يغلب المصلحة التونسية عما سواها. وعلى غرار نظيره الجزائري لم يعلن قائد السبسي يوما أن بلاده على علاقة بالحكومتين في ليبيا وأنها غير راغبة في مناصرة طرف على حساب طرف آخر، وأنه حفاظا على مصالح التونسيين المقيمين في ليبيا في شطري البلاد، وجب على تونس أن لا تكون طرفا في الصراع الليبي وأن تقف على مسافة واحدة من جميع الفرقاء الليبيين.
والحقيقة أن وزير الخارجية الطيب البكوش لم يختلف موقفه عن موقف رئيسه لكنه جاهر بذلك في وسائل الإعلام ما تسبب في أزمة دبلوماسية مع حكومة طبرق. حيث أعلن وزير الإعلام في هذه الحكومة ما مفاده أنهم وفي إطار معاملة التونسيين بالمثل، سيتواصلون، بالإضافة إلى الحكومة التونسية الشرعية، مع ما أسموه «حكومة الشعانبي» (في إشارة إلى جبال الشعانبي على الحدود الجزائرية التي يرابط فيها إرهابيون) باعتبار أن جماعة طرابلس وفجر ليبيا هم في نظر وزير إعلام طبرق جماعات إرهابية.
لذلك فقد اعتبر بعض المحللين أن مجاهرة وزير الخارجية بما تكتم عنه رئيس الجمهورية هو سبب الداء وكان من المفروض المزيد من التنسيق بين قرطاج (مقر الرئاسة) وشمال الهلتون (مقر الخارجية). فالموقف من ليبيا سليم ويتفق حوله جل الطيف السياسي التونسي، لكن ليس كل ماهو سليم وجب بالضرورة التصريح به لوسائل الإعلام لأن الدبلوماسية تقتضي التكتم في أحيان كثيرة تجنبا لأزمات تبدو البلاد في غنى عنها.
أزمة العلاقات مع سوريا
لقد تم قطع العلاقات الدبلوماسية مع سوريا من الجانب التونسي زمن حكم الترويكا (حركة النهضة وحزبي التكتل والمؤتمر برئاسة المرزوقي وبن جعفر) وتعهدت حركة نداء تونس في حملتها الإنتخابية بإرجاع العلاقات التونسية السورية إلى سالف عهدها في حملتها لانتخابات 2014 الأخيرة. وبالفعل فقد أعلن وزير الخارجية التونسي والأمين العام لحركة نداء تونس الطيب البكوش عن عودة العلاقات الدبلوماسية مع سوريا ودعا دمشق إلى إرسال سفيرها مجددا إلى تونس، وهو ما اعتبره البعض إيفاء لحركة نداء تونس بتعهداتها إزاء ناخبيها.
لكن رئاسة الجمهورية فاجأت الجميع بعد أن أعلن قائد السبسي أن تونس ملتزمة بالإجماع العربي في هذا المجال وأن العلاقات مع سوريا لم تعد إلى سالف عهدها. وبالتالي فإن تصريحات وزير الخارجية تصبح بلا قيمة باعتبار أن رئيس الجمهورية هو الذي يسطر السياسات العامة فيما يتعلق بالدبلوماسية التونسية.
لقد خلفت هذه التصريحات والتصريحات المضادة حالة من الإرباك وتعرضت لانتقادات شديدة في وسائل الإعلام التونسية وفي مختلف المنابر المتاحة. ورغم التبريرات التي قدمها بعض الساسة والناطقين الرسميين، فإن هناك قناعة راسخة لدى شرائح واسعة بأن السياسة الخارجية التونسية ليست على ما يرام، وأن هناك غيابا للتنسيق بين رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية يضر بمصداقية تونس مع الأطراف الخارجية سواء أكانت دولا أو منظمات أو غيرها ووجبت المسارعة بضبط الأوضاع في أسرع الآجال خاصة وأن طيفا هاما من التونسيين انتخب حركة نداء تونس والباجي قائد السبسي من أجل كلمة سحرية رددها هذا الأخير كثيرا في حملته وهي «هيبة الدولة» التي شعر هؤلاء أنهم افتقدوها خلال فترة حكم الترويكا.
وتبدو تونس في سياستها الخارجية بين خيارين أحلاهما مر، فإما الخروج عن الإجماع العربي وإعادة العلاقات مع سوريا وخسارة الدعم الذي تتلقاه من بعض البلدان الخليجية النفطية على وجه الخصوص، وإما إرضاء هذه البلدان وقطع جسور التواصل مع دمشق مع ما يعنيه ذلك من ضرب مصالح الجالية التونسية في سوريا عرض الحائط ومن عدم قدرة على تتبع تحركات التكفيريين التونسيين الذين يقاتلون مع تنظيم الدولة وغيرها في كل من العراق وسوريا والذين يبدو وأن لدى الإستخبارات السورية بيانات تتعلق بهم وبتحركاتهم تسيل لعاب الجانب التونسي الذي يخشى عودة هؤلاء وما قد يرتكبونه من فضاعات كما حصل مع ما يسمى «العرب الأفغان» في الجزائر خلال العشرية السوداء.

تحوير وزاري
ونتيجة لهذا الإرتباك فيما يتعلق بالسياسة الخارجية تحدثت بعض المواقع الإخبارية التونسية وكذا مواقع التواصل الإجتماعي عن إمكانية إجراء تحوير وزاري في حكومة الحبيب الصيد قد يشمل وزارة الخارجية. لكن لا شيء رسميا إلى حد الآن في هذا الموضوع وينفي أغلب من تم الإتصال بهم سواء في الحكومة أو في الحزب الأغلبي (حركة نداء تونس) أي علم لهم بهذا التحوير الوزاري.
والحقيقة إن وسائل الإعلام الموالية للترويكا الحاكمة السابقة وصفحات التواصل الإجتماعي التابعة لها شنت خلال الفترة الماضية حملات على السيد الطيب البكوش وزير الخارجية إثر تصريحاته المنتقدة لتركيا باعتبار أنها دولة عبور للتكفيريين التونسيين الذين يقاتلون في سوريا والعراق. وتعرضت هذه الحملات إلى الخلفية الإيديولوجية لوزير الخارجية باعتباره محسوبا على اليسار الشيوعي التونسي الذي يعاديه أنصار هذا الفريق الذي يرى في تركيا وأردوغان النموذج الذي يجب أن يقتدى.
وفي انتظار أن تتوضح الأمور أكثر خلال الفترة المقبلة، لا يبدو أن حكومة الحبيب الصيد، التي لم تنه بعد فترة المئة يوم على بداية عملها، تحظى برضا غالبية التونسيين وخصوصا فيما يتعلق بأدائها على مستوى السياسة الخارجية التي يعتبرها البعض خط الدفاع الأول في أي استراتيجية دفاعية، حتى أن سؤالا بات يؤرق المضاجع وهو ذلك المتعلق بالجهة التي تصنع السياسة الخارجية في تونس، بعد هذا التضارب في المواقف بين الرئاسة ووزارة الخارجية.

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية