قد لا نختلف إن قلنا أن كرامة الإنسان هي قيمته، تولد بمولده وتتشكل بتشكله، تُمنح من محيطه بغض النظر عن أصله وجنسه وعمره وحالته، فهي حق طبيعي وخلطة مجردة لا بد وأن تلازمه حتى بعد موته، ورغم إدراك الدول لذلك الأمر وترسيخه بشرائعها ودساتيرها ، لتغدو الكرامة الإنسانية كسقفٍ راقٍ تمرّ من تحته كل القوانين، إلا أن ضيق العيش والهروب من الفقر والرغبة بالهجرة والخلاص، قد تجعل من قوارب الهجرة غير الشرعية أملاً قد لا يتحقق، فتصبح أمواج البحار ورياحها نهاية مفجعة تُحوّل الحالمين إلى جثث هامدة، أو معتقلين ومهانين خلف قضبان السجون، يندبون حظهم ويقتاتون أحزانهم.
ليس غريباً أن تغرق وتفنى مراكب المهاجرين غير الشرعيين إلى الدول الأوروبية المطلّة على المتوسط، وليس غريباُ أن نسمع أخبار انتشال عشرات ومئات الجثث الغارقة واستمرار البحث عن من فُقدوا في أعماق البحر، وليس مستهجناً أن تعاني هذه الدول من تلك الظاهرة فتجعلها في مقدمة برامجها ومفاوضاتها مع غيرها من الدول، لكن الغريب أن تصبح الدول المتضررة من الهجرة تحزن وتتأثر وتبدي التعاطف على الضحايا، بينما الدول المصدّرة للهجرة و مع كامل التفهّم لظروفها المعيشية وأزماتها الاقتصادية وإرباكاتها الاجتماعية، لا تنعى ثكلاها ولا تحسبهم، ولا تبدّل حكوماتها من الخطط والبرامج شيئاً، ولا تسعى جاهدة لجعل أوطانها قبلةً لشعوبها، غير طاردة لشيبها وشبابها، فنجد إحدى الحكومات الأوروبية تعلن يوم حداد وطني على المأساة العظيمة على حد قولها، بعد غرق مركب للمهاجرين قبالة إحدى جزرها، ونجد وزير داخليتها يمثل أمام برلمان بلاده لإحاطته بملابسات ما حصل، ثم يعلن بابا الفاتيكان ذلك اليوم كيوم نحيب على ضحايا المهاجرين، معرباً عن تعاطفه مع من يلقون الموت أثناء هروبهم من العبودية والعوز بحثاً عن الحرية ولقمة العيش، وأخيراً وليس آخراً يقف طلاب المدارس دقيقة صمتٍ حداداً على من قضوا وهم يحاولون التسلل إلى شواطئهم بطريقة غير شرعية، كل هذا بينما الشواطئ العربية المطلّة على المتوسط لا تملك سوى لملمة جثث الباحثين عن وضع اجتماعي أو اقتصادي أو ديني أو سياسي أفضل، فتكرّم أجسادهم المبللة بدفنها ونسيانها في كل مرة.
يضيق بعض الأفراد في أوطانهم ذرعاً بعيشهم، فيشدّون الرحال إلى حيث تأخذهم الأسفار وتتقاذفهم الأقدار، يحاولون أن يشيّدوا إنسانيتهم وأن يجمّلوا ما تبقى من كرامتهم، فبلادهم عاجزة من ورائهم، وبلاد غيرهم إما كارهة لهم وإما تنتظر تأبينهم وإعلان الحداد عليهم!.
م.زيد عيسى العتوم