من يعيق تحرير مدن العراق من داعش؟

يُفسر البعض الخطوات المقبلة لنهاية تنظيم «داعش» انطلاقا من مفهوم ساذج يرتكز على فكرة مفادها أن نهاية هذا التنظيم ستكون بمثابة انتصار للحكم الطائفي الحاكم، ونهاية للخطر الذي يهدد الأحزاب المذهبية العراقية التابعة لإيران، ويعكر صفو مزاج سياسيها الفئوية، التي قامت على مبدأ تقسيم الشعب العراقي والتفريق بين مكوناته الأصيلة.
في الوقت الذي يتفق الغيورون على وطنهم، على ان لنهاية «داعش» علاقة مع نهاية النظام المذهبي الحاكم في العراق، وإنهاءه سياسيا، حيث بوجود إرادة عراقية ودولية لإبعاد زعماء الأحزاب المذهبية الحاكمة، والسماح بوجود نظام وطني عابر للطوائف، قادر على إحلال السلام والوئام بين العراقيين، سينهي آمال «داعش» المتطرف وطرده من الموصل وكامل التراب العراقي، وهذا ما يضاعف آمال العراقيين بمستقبل وطنهم وبقائه واحداً موحداً، خصوصا بعد تراجع التنظيم وتحرير مدينة الرمادي.
ورغم صحة التقارير والمعلومات التي تؤكد تراجع المد العسكري لتنظيم ما يعرف «بدولة الخلافة الإسلامية» في مدينة الرمادي وبعض المدن والقصبات العراقية، تبقى أسباب ودوافع نجاحه في البقاء في أجزاء مهمة من التراب العراقي مرتبطة بالاختلال السياسي والاجتماعي لأسس الدولة العراقية الجديدة، وسياستها الطائفية المرتبطة بإيديولوجية إيران الطائفية، وسلوك «ميليشيات الحشد الشعبي» ودورها السلبي في معاناة المكون العربي السني، التي بدورها سهلت شئنا أم أبينا مسار «داعش» ونجاحه في البقاء في الموصل وبعض المدن.
فكيف تريدون أن نطلب من أهلنا في مدينة الموصل أن يثوروا من سجن «داعش» الرهيب، في الوقت الذي يرى العراقيون بأم أعينهم عمق الجرائم التي تقترفها «مليشيات الحشد الشعبي» في الحلة والبصرة والمقدادية، من قتل على الهوية وحرق وتدمير للمساجد، وبشهادة منظمة حقوق الانسان الدولية. كيف تريدون أن تطلب الأسرة الدولية من أهل الموصل أن يثوروا على التنظيم في الوقت الذي يرى العراقيون بأنفسهم هذه الاعداد الهائلة من النازحين التي تعدت الثلاثة ملايين نازح، من الذين تركوا مدنهم وهجروا منازلهم نتيجة للخوف من العودة إلى المناطق التي دخلتها المليشيات بعد ترك «داعش» لها. فوقف تقدم «داعش» في مدن تكريت والرمادي شيء، والقضاء على وجوده بالكامل شيء آخر. كما أن احتواء «داعش» عسكرياً شيء، وهزيمته سياسياً وأيديولوجيا في المشهد السياسي العراقي الجديد الذي تسيطر عليه أحزاب إيران وميلشياتها شيء آخر.
مما لا شك فيه ان هناك تغييرات وإرادة دولية بدأت تتضح معالمها في الملف العراقي، بعد نجاح الغرب في التوصل إلى اتفاق سلمي مع إيران، الذي من خلاله شارفت لعبة كسر قيود العراقيين المُكبلة من قبل إيران على نهايتها. فلا غريب أن يشهد العراقيون نجاح عملية تحرير الرمادي. ولا غريب أيضا أن يسمع العراقيون في يومنا هذا كل هذه التصريحات الحكومية عن قرب نهاية التنظيم، ابتداء من تصريحات وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي من»أن مدينة الموصل ستشهد معركة الفصل وأن تحريرها بات قريباً»، مرورا بإعلان رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، «أن عام 2016 سيكون عام النصر الحاسم على تنظيم الدولة». يبقى الشيء الغريب في تزامن وتكرار كل هذه التصريحات في هذا الوقت بالذات من جهة، وتناقضها مع التصريحات الأمريكية الأخيرة المرتبطة بسلسلة الأجندات العسكرية التي أعلنت على لسان المتحدّث العسكري باسم «التحالف الدولي» الكولونيل الأمريكي ستيف وارن من بغداد «أن معركة استعادة الموصل ثاني كبرى مدن العراق من مسلحي داعش، لن تبدأ قبل أشهر عديدة». مبينا أن الأسباب التي تحتم هذا التأني ترتكز على «أن أولويتنا في الوقت الحاضر هي تدريب ألوية وبناء القدرات القتالية وتدريب عناصر شرطة».
قد ينطبق المثل العربي المشهور في «التأني السلامة وفي العجلة الندامة» على طبيعة الموقف الرسمي الحالي للتحالف الدولي لأسباب عديدة. فبالإضافة إلى طابع الأولوية في بناء وتوسيع القدرات القتالية العراقية، التي أشار بها المتحدّث العسكري للتحالف الدولي، تكمن الحاجة إلى المزيد من الوقت، انطلاقا من منطق الاستفادة من عامل الزمن في تغيير المشهد السياسي الرسمي، وتهيئته شعبيا ليكون عند مستوى المسؤولية، ولسبب آخر مهم، وهو ان العراقيين ومنذ 2003 دخلوا ساحة المواجهة التي فرضتها إيران في العراق، من حيث لا يدرون، من خلال دعم نظام الولي الفقيه للأحزاب الطائفية الحاكمة والمليشيات التابعة لها، التي هي الذراع العسكرية لتثبيت النظام ودعم استمرارية سياسة التفرقة والتخندق الطائفي، بعد أن قدمت إيران الدعم اللوجستي والعسكري غير المشروط للحكومة العراقية السائرة في فلكها. فثمة مؤشرات تلوح في الأفق السياسي الدولي في ما يتعلق بالعراق، يمكن تفسيرها على أنها بداية لتداعيات الاتفاق الدولي مع إيران ودورها في العراق.
من هذا المنطق، قد يُفسر التوتر الحالي بين موقف التحالف الدولي، الذي تقوده الولايات المتحدة مع قادة ما يسمى بالحشد الشعبي، المتمثل في رفض إشراك «مليشيات الحشد الشعبي» في تحرير المناطق ذات الأغلبية العربية السنية، والتزايد الملحوظ في اعداد المدربين والقوات الخاصة التابعة لألوية الجيش الأمريكي في العراق، ناهيك عن التهديدات المعلنة لقادة المليشيات ورفضهم لانقلاب الموقف الأمريكي وتغيره، وهو الذي سمح للأحزاب الطائفية التي ينتمون إليها في الوصول إلى السلطة.
لا شك ان لتغيرات الموقف الأمريكي من المشهد العراقي وموقفه من المليشيات يرتبط بالوضع الجديد في علاقات الغرب مع طهران، وإن لم يفهمه بعد قادة وأمراء «الحشد الشعبي». على الرغم من إعلانه من المصادر الإيرانية نفسها، وفق وكالة «تسنيم» القريبة من «الحرس الثوري في إيران»، التي أكدت على «أن محادثات إيران مع الغرب ركزت على مشاكل تدخلها ونفوذها في العراق، حيث تم إبلاغ إيران بالعودة إلى حدود ما قبل 2003 على جميع الأصعدة، والعمل من خلال تمثيلها الدبلوماسي الرسمي في بغداد فقط، کما هو حال التمثيل الدبلوماسي العراقي في طهران».
يبدو ان إيران وعن طريق اتفاق الملف النووي مع الغرب، نجحت في استرجاع حقوقها الاقتصادية وقدراتها النفطية والغازية في منطقة الخليج العربي ولكن بثمن. فالنفط نفطها وأموالها المجمدة في الغرب هي أموالها. كما يبدو ان إيران خسرت ورقتها في العراق الذي احتلته وأعاقت استقراره وتطاولت على أهله وتمددت في أرضه ولونته بلون الطائفية والمذهبية. فالعراق ليس عراقها وقد آن الأوان واكتملت الشروط لفك أسره بعد أن دفعت الثمن.
يتفق الكثيرون على أن للوضع الجديد لعراق ما بعد 2003 وتسليم العراق إلى الاحزاب الطائفية، وتدخل إيران منذ هذا التاريخ في إعاقة نظام سياسي وطني عابر للطوائف، يتنافس من خلاله العراقيون بعدالة بعيدا عن هيمنة الاحزاب الطائفية وهيمنتها ونفوذها إلى قمة هرم مؤسسات البلد الرئيسية، هو أحد الاسباب المهمة التي تعيق عودة السيادة والسلام لمدينة الموصل ولبقية المدن العراقية. ويؤمن لرجالها ونسائها الأمان والشعور الوطني باعتبارهم عراقيين قبل أن يكونوا سُنة واحرارا في بلدهم العراق، وقبل ان يكونوا أسرى الخليفة ودولة خلافته التي أكل الزمان عليها وشرب.
 لقد أثبتت أحداث المشهد السياسي العراقي عن مدى خطورة الثقافة الطائفية ودورها المعيق لإعادة وحدة العراق واستقراره، وكما هو الحال بدور إيران واحزابها في العراق ومسؤوليتهم في تمدد «داعش» وسقوط الموصل والمدن الأخرى. من يعيق تحرير العراق من «داعش»، هم كل هؤلاء الذين يريدون لمكاسبهم الطائفية التي حققوها في ظل الاحتلال أن تبقى، وهم كل هؤلاء الذين لا يريدون لنفوذهم وسلطتهم المستوردة من إيران أن تتقوض. إنهم كل هؤلاء الفاسدين سراق المال العام الذي جاء بهم نظام بريمر، ممن اعتاشوا على موائد الوطن المسلوب بتأشيرة الولي الفقيه بدون أي جهد وطني يُذكر.

٭ كاتب عراقي

أمير المفرجي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية