أصدر عدد من النخب السياسية الإيرانية دراسة حول الإصلاح السياسي في إيران، جاءت بعنوان: «الخطوة الأولى لإصلاح البنية السياسية في البلاد هي إصلاح السياسة الخارجية الإيرانية»، وتم نشرها على موقع «كلمة» المقرب من الإصلاحيين».
قسم البيان إلى أقسام مهمة تناولت التشخيص وتحليل الواقع المؤلم في إيران، وبينت الدراسة أسباب ذلك الضعف ومن يتحمل مسؤوليته، وقدمت رؤية علاجية ليس للواقع المؤلم الحالي، وإنما للخطوات التي ينبغي على الدولة الإيرانية اتباعها لتخرج من عنت العقلية المعيقة لنهضة الدولة، بتحرير الدولة الرسمية ومؤسساتها المنتخبة والشرعية من أدوات وموروثات الثورة المفزعة، وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني، الذي كان من المفترض ان ينتهي دوره بعد نجاح الثورة وإقامة الجمهورية الإسلامية وإقامة مؤسساتها الأمنية القانونية، في السنوات الأولى للجمهورية، وعدم بقائه كيانا موازيا يحكم ويقرر في الدولة أكثر من مؤسساتها السياسية المنتخبة والديمقراطية.
وما فرض هذه الدراسة ان هذا الكيان الموازي في إيران، أي الحرس الثوري، هو الذي يرسم للمؤسسة الرسمية السياسية سياستها الخارجية، ويفرض عليها الأجندة الخارجية التي يتوجب عليها الدفاع عنها، ولو كانت غير مقتنعة بها، وكل ذلك تحت مسمى حماية الثورة من الأعداء، وحماية الجمهورية من المخاطر، وهي من صنيع سياسة الحرس الثوري نفسه.
جاء في مقدمة الدراسة: «اليوم، لا يخفى على جميع الإيرانيين بأن البلاد تمر بأزمة عميقة في المنطقة والعالم، وهذه الأزمة متجذرة في عدم الكفاءة والفساد اللذين تعاني منهما الجمهورية الإسلامية». فالتشخيص يقر بأن البلاد تمر بأزمة عميقة على صعيد المنطقة أولاً، وعلى صعيد العالم أيضاً ثانيا، وأسباب هذه الأزمات ليس التدخلات الخارجية،
وإنما بسبب عدم الكفاءة أولاً، والفساد ثانياً، أي أن الأزمة الإيرانية ذاتية وداخلية بالدرجة الأولى، فكيف وصلت؟ ولماذا وصلت القيادة الإيرانية إلى عدم الكفاءة؟ ولماذا تورطت في الفساد، الذي تقر به لجنة النخب السياسية الإيرانية؟
الجواب، كباقي الثورات التي تبدأ بالتفاني من أجل المبادئ، ولكن أخطاء اللاعبين في السلطة، حسب تعبير لجنة النخب السياسية، أطاح بهذه التضحيات وأضاعها، والسبب أيضاً هو وجود الانتهازيين الذين استغلوا ثقة الشعب الإيراني وأوصلوا البلاد إلى هذه المرحلة من الاضطرابات، أي أن من يتحمل المسؤولية هم من تصفهم الدراسة بالانتهازيين، الذين يمثلون في كل دولة كيانا موازيا، تجمع بينهم المصالح الخاصة، ولكنهم يدعون حرصهم على مصلحة البلاد. هذا الكيان الموازي الانتهازي في نظر النخب السياسية الإيرانية هو الحرس الثوري الإيراني، ودليل النخب السياسية على قولها، هو سياسة الحرس الثوري الخاطئة، فهي لا تعكس سياسة الدول الناجحة، فالدول الناجحة تعمل على تقليل الاعداء وتكثير الأصدقاء، بينما الحرس الثوري الإيراني يعمل على زيادة أعداء إيران الإقليميين وفي العالم ما أدى إلى إنزال العقوبات الدولية على إيران، وإلى إضعاف الاقتصاد الإيراني وفقر الشعب أيضاً، بدون ان تكون هناك فائدة أو مصلحة للشعب الايراني من ذلك.
لم ترسل لجنة النخب السياسية الكلام على عواهنه، بل حددت نوع أخطاء الحرس الثوري الإيراني التي أضرت بالجمهورية الإيرانية، فقال البيان: «نجد أن الحرس الثوري دخل في لعبة خطيرة لمواجهة السعودية من خلال الدعم السياسي والاقتصادي والإعلامي والعسكري للحوثيين في اليمن، الذي يشكل بحق أو بغير حق الحديقة الخلفية للسعودية»، وكأن لجنة النخب السياسية تسأل الحرس الثوري الإيراني ما لنا ولليمن حتى نرسل الأسلحة والذخائر والمتطوعين والأموال لهدرها هناك، ونحن لا علاقة لنا بجنوب الجزيرة العربية، فهي
أراضي العرب وهم أحق بها، أي ان النخب السياسية تحكم بخطأ سياسة الحرس الثوري الإيراني في اليمن أولاً، وهذا اول نموذج صريح.
والنموذج الثاني الذي يذكره بيانهم ما قالوه حول سوريا، فقالوا:» إن تقديم الدعم الكامل لنظام بشار الأسد البعثي، مع تواجد عدد كبير من القوات الإيرانية العسكرية وانتشارها على جبهات القتال ضد المعارضة السورية، مع عدم تحقيق إيران بكل دعمها لأي نتائج ملموسة»، يحتاج إلى مبرر يقنع الشعب الإيراني، متسائلين: «هل يستند هذا التدخل الواسع في سوريا على قاعدة المصالح الوطنية الإيرانية؟»، أي أن النخب السياسية الايرانية تحكم بخطأ تدخل الحرس الثوري الإيراني في سوريا أيضاً. والنموذج الثالث هو في العراق، فقال البيان:» إن الوجود الإيراني الواضح في العراق، ودعم جهات شيعية محددة في الحرب ضد «داعش»، تسبب في صراعات عرقية ودينية داخلية، وأدى إلى انتشار المواقف المعادية لإيران بين الشعب العراقي، وظهرت هذه المواقف حتى بين الشيعة»، فالنخب لا يرضيها التدخل الإيراني في الدول العربية، وتحديدا في الدول التي فتح فيها الحرس الثوري الإيراني حروبا طائفية، في اليمن وسوريا والعراق، وكذلك أشار البيان إلى المخاطر التي يرسمها الحرس الثوري للتدخل في البحرين، فقال: «إن الدعم الواضح وغير المشروط لحراك ونشاط المعارضة الشيعية في البحرين»، أي أنه هو أيضاً من أخطاء لعبة السلطة.
وهكذا شخص بيان النخب السياسية الواقع الإيراني المأزوم وأسبابه، ومن يتحمل المسؤولية فيه، ورفض الحجج التي يقدمها الحرس الثوري الإيراني للشعب الإيراني أيضاً، فقال: «هذا التدخل كان من خلال توفير التحليلات والدراسات الاستراتيجية والأيديولوجية، التي لعبت دورا مهما في «شرعنة» تدخل الحرس الثوري في السياسة الخارجية الإيرانية وشؤون المنطقة، من خلال ترويج:
1 ـ الحديث عن مواجهة السنة الوهابية الذين يريدون إبادة الشيعة وأتباع أهل البيت.
2 ـ والدفاع عن العمق الاستراتيجي للأمن القومي الإيراني.
3 ـ والدفاع عن مزارات الشيعة.
4 ـ ومواجهة مؤامرات الدول الغربية، عن طريق توسيع النفود الإقليمي لإيران، خصوصا بعد تراجعها عن برنامجها النووي.
5 ـ والأهم من ذلك الدفاع عن بقاء الثورة الإيرانية والوقاية من تراجع آثارها ونفوذها في المستقبل».
وفي نظر النحب السياسية الإيرانية أن هذه الحجج تفتقد إلى الدعائم المقنعة في المجال الدبلوماسي، ولذلك فهي تفتقد إلى المشروعية في الخارج والداخل معاً، وفي الوقت نفسه تشيع الدعاية الثورية أن إيران هي «البلد الأكثر أمنا في المنطقة» وإن «إيران جزيرة الاستقرار في بحر المنطقة المضطرب»، وذلك لاسكات الشعب، بينما الشعب يدرك ان هذه الحروب الخارجية استنزفت الاقتصاد الإيراني، بدون أن تحقق لايران نفوذا ولا استقراراً،
في هذه الدول العربية الأربع ولا في لبنان أيضا، وأخيرا وكما يقول البيان إن ايران اضطرت لاحضار المرتزقة من المتطوعين الأفغان والعراقيين، الذين لا يقاتلون إلا من اجل المال. وبعد هذا التشخيص وتحميل المسؤولية للحرس الثوري الإيراني عن الأزمة
العميقة التي تمر بها إيران، تقدمت اللجنة بالحل، وهو مطالبة الدولة الإيرانية: «بسحب الملفات الخارجية من يد الحرس الثوري الإيراني الذي أصبح يعمل كدولة داخل دولة، وإذا لزم الأمر، أن يعبر الحرس الثوري الإيراني عن مخاوفه تجاه القضايا الخارجية، من خلال إبلاغ المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، وهو بدوره يوصل هذه المخاوف للمسؤولين ووزارة الخارجية المعنية بهذه القضايا»، فالحل هو في رفع الحرس الثوري الإيراني يده عن السياسة الخارجية الإيرانية، لأنه هو المتسبب بأزمات إيران الداخلية والخارجية».
هذا البيان صدر من داخل إيران وهو ذو أهمية كبرى، لأنه ليس من المعارضة الإيرانية في الخارج، وإنما من نخب إيرانية تفكر بصوت مسموع وتنتقد أداء الحرس الثوري الإيراني من داخل إيران. وأهمية البيان انه جاء بعد خطاب خامنئي العدائي اتجاه السعودية، مما يعبر عن حالة خوف لدى النخب السياسية الإيرانية من تدهور أوضاع إيران اكثر مما هي عليه، وبالأخص ان انتقاد الشعب الإيراني يتزايد للحرس الثوري والحكومة على فشل نتائج الاتفاق النووي مع أمريكا، أي ان إيران تقف على فوهة بركان.
إن هذا البيان لم يتحدث عن مآسي الشعوب العربية، في الدول التي تحتلها إيران في العراق وسوريا واليمن ولبنان، والقتل الذي مارسه الحرس الثوري، الذي يقدر باكثر من مليوني عربي ومسلم خلال العقد الأخير فقط، وهذا أهم من الوضع الاقتصادي والأزمة التي تعاني منها إيران، ولكن النخب وجهت انتقادها للفشل الداخلي، ومع ذلك فإن هذا البيان يعبر عن حالة يقظة، ولو كانت صغيرة جدا، وهو ما يتطلب أن تبنى عليه مواقف عربية وإسلامية أخرى، بأن تقابله بيانات من النخب السياسية العربية والنخب السياسية التركية والكردية والباكستانية وكل القوميات الاسلامية الفاعلة في العالم الاسلامي، وفي الساحة الدولية، لجعل هذا البيان أكثر قدرة في تصحيح مسار السياسة الإيرانية الخارجية، فهو محاولة لإنقاذ إيران من الكيان الموازي الذي يدمرها من الداخل، ويقتل ويدمر الدول العربية والاسلامية بالحجج الخمس السابقة. فالنخب السياسية العربية والاسلامية مطالبة أن تجري الحوارات النافعة لإنقاذ الأمة الإسلامية من مصائبها، والتي يتسبب الحرس الثوري الإيراني بالقسم
الأكبر منها.
كاتب تركي
محمد زاهد غول