عمان ـ «القدس العربي»: يميل سياسيون أردنيون إلى تكرار الحديث التحذيري عن ضرورة الانتباه لما بعد حسم معركة حلب وشمالي سوريا، حيث الاستحقاق التالي الأكثر حساسية بالنسبة للأردن وهو «جنوب سوريا».
خلافا للمعتاد والمألوف لا توجد «خطة أردنية» مرسومة على الحدود الشمالية للمملكة حيث درعا وجنوبي سوريا خارج سياق الاسترسال في التعمق بحماية التراب الأردني حدوديا ووضع أفضل وسائل الدفاع على المستوى الاستراتيجي كما أكد لـ«القدس العربي» مرات عدة الناطق الرسمي وزير الاتصال الدكتور محمد مومني. ما يلاحظه الأردن ويثير القلق ببعده الأمني مؤخرا هو ثلاث ظواهر الأولى تتمثل في الحراك الصامت للقطاعات العسكرية المعارضة المسلحة التي تترقب بدورها حصتها من موجة القتال التالية مع قوات النظام.
والثانية لها علاقة بعدم تقدم أو تراجع قوات مختلطة متمركزة في محور درعا وسط البلد ومؤلفة من مقاتلين لحزب الله اللبناني وبعض المستشارين من الحرس الثوري الإيراني وهؤلاء حصريا يشكلون قلقا مزمنا للأردن وإسرائيل تراقبهم بكثافة لصالح الطرفين.
هنا حصريا يمكن القول ان الرهان على إسرائيل التي ستكون الطرف الذي تتقاطع مصالحه مع الأردن في عدم رؤية قوات إيرانية أو تتبع حزب الله في محيط قريب من جنوب سوريا وجبل العرب، ولذلك تعتمد عمان على تقنيات المعلومات الإسرائيلية في مراقبة صنفين من المقاتلين في محيط قرى جنوب سوريا، الأول يمثل جماعات «إرهابية» مفترضة، والثاني مرتبط بالنفوذ الإيراني في سوريا أو له صلة بمقاتلي حزب الله.
عليه تبدو عمان مطمئنة أكثر من الرأي العام الأردني نفسه لأن الوضع في جنوب سوريا وفيما يتعلق بأي «قوات عسكرية معادية» مرتبطة بإيران حصريا يبقى في كل الأحوال «تحت السيطرة» الاستخبارية ومرتبط بالعنصر الإقليمي.
الظاهرة الثالثة المقلقة للأردنيين في جنوب سوريا هي «النمو الكبير والمرصود» في حجم وكثافة عدد المقيمين في مخيم الركبان الصحراوي للاجئين، على بعد ثمانية كيلومترات فقط من نقاط الحدود وهو مخيم بدأ بأربعين شخصا كما تؤكد حيثيات الرقابة الأردنية وتضخم جدا وأصبح تعداد من فيه أكثر من 100 ألف من اللاجئين السوريين.
تتصور عمان ان الاهتمام الإعلامي والدولي بمنطقة الركبان بعد الحادثة الشهيرة التي هوجم فيها مقر عسكري أردني، دفع عشرات الآلاف من السوريين للبحث عن «وضع دولي أفضل» في منطقة الركبان التي تصلها مساعدات بين الحين والآخر بالرغم من قرار الأردن إغلاق حدوده عسكريا مع سوريا.
المجتمع الدولي بدأ يتعامل مع مخيم الركبان المتضخم كحقيقة واقعية ولا يخلو لقاء بين مسؤول أردني وسفير غربي من حديث عن ضرورة المساعدة في تأمين هذا المخيم خصوصا ان عدد المقيمين فيه يكاد يقترب من عدد المقيمين في الزعتري حيث يخشى الوسط السياسي من سيناريو»الزعتري 2» بما يتضمنه الأمر من كل فعاليات القلق والتوتر الأمني والعبء المالي والخديعة والتضليل بالوقت نفسه.
المومني أبلغ «القدس العربي» ان أي مساعدة أردنية لها علاقة بالوضع الإنساني في سوريا بالركبان أو غيرها لن تكون بعد الآن إلا ضمن المعايير الوطنية الأردنية التي تحددها القوات المسلحة وليس أي جهة أخرى، مشيرا إلى ان حكومته تتفهم الاعتبارات الإنسانية لكن من الضروري للمجتمع الدولي ان يتفهم في المقابل الظروف الأردنية.
«الركبان 1» في كل حال هو مخيم عشوائي وسط الصحراء في نقطة قريبة جدا من النقاط العسكرية الحدودية الأردنية، بدأ عشوائيا لكنه لم يعد كذلك وأصبح ضخما للغاية وعند التفاصيل الإنسانية يتحرك الجميع بالضغط على الأردن بصفته الدولة الأقرب في الوقت الذي يمكن فيه تلمس رعب المسؤولين التنفيذيين في الجانب الأردني من تكرار سيناريوهات المخيمات الصحراوية العشوائية على هذا النحو المقلق ديموغرافيا، خصوصا وسط محاججة تقول ان»نوعية الخدمات» في هذه المخيمات العشوائية هي التي تجذب اللاجئين وليس الهرب من معارك حقيقية حيث تعتبر جبهة الجنوب هادئة نسبيا في كل الأوقات التي نمى فيها مخيم الركبان بوقت قياسي لا يزيد عن تسعة أشهر.
السياسي الأردني البارز ممدوح العبادي يقترح على هامش نقاش مع «القدس العربي» الانتقال فورا إلى مستوى استراتيجية تأمين عودة اللاجئين السوريين لمناطق آمنة في بلدهم بدلا من زحفهم خارج الحدود.
يقترح العبادي على الحكومة الأردنية التفكير في هذا الاتجاه لكن حسابات اللجوء السوري معقدة جدا ليس بخلفيتها الرقمية فقط ولكن أيضا بالخلفيات السياسية والاستثمارية وتلك الحسابات ذات الصلة بالمجتمع الدولي.
الجزء المرعب في السيناريو الأردني ان تنتقل العمليات العسكرية «الثقيلة» بعد حسم معركة حلب والشمال إلى مناطق الجنوب السوري التي تركها نظام دمشق قصدا على أساس تحولها لمشكلة «أردنية» وهي كذلك الآن.
وأي عمليات عسكرية ثقيلة في الحرب البرية أو عبر الطائرات في محيط درعا وقراها وبلدياتها ستعني مواجهة وضع كارثي جدا وأمني خطير للغاية في الجانب الأردني خصوصا ان المقاتلين المسلحين من كل المجموعات لن يجدوا مكانا للهرب إليه إلا الأردن وحيث يمكن ان تتشكل حالة فوضى ديموغرافية أمنية تنتهي بعشرات المخيمات في عمق الحدود أو عليها إذا لم يكن داخلها.
بسام البدارين