الرباط – «القدس العربي»: تشهد مدينة الصويرة الساحلية الواقعة غربي المغرب، منذ الخميس 12 حزبران/ يونيو إلى غاية الأحد مهرجانها الفني الشهير «كناوة وموسيقى العالم»، وذلك في دورته السابعة عشرة.
وهذا المهرجان الصويري، الذي يستمر أربعة أيام يتميز بالتلاقح والتفاعل الثقافي، باعتبار فن الكناوة يختلف عن باقي الألوان الفنية الأخرى، اذ هو ليس مقتصرا على وطن واحد، فهذا الفن شكل مزيجا ثقافيا مشتركا لتاريخ مشترك لمجتمعات أفريقية في مختلف أصقاع المعمورة سواء في المغرب أو في أمريكا الشمالية أو اللاتينية أو في بلدان أفريقية (باعتبار معاناة الأمريكيين من أصل أفريقي مع الاستعباد والعنصرية، لذلك يمكن تسجيل التشابه الكبير بين الجاز والسول والكناوة)، ما أضفى على الصويرة المغربية طابع المدينة التي يحج إليها السياح بحثا عن التملي والاستمتاع في وقفات تأمل مشتركة، فلا فرق في تلك اللحظة بين هذا وذاك مهما كان موطنه.
ولم يأتِ اختيار الصويرة بين مدن المغرب على عواهنه لتكون محجا يأتي إليها من كل حدب وصوب، ويقام مهرجان غناوة على أرضها إلا لانها راكمت بدورها تاريخا عريقا شكلت على مدى قرون سحيقة المعقل الروحي لكناوة في المغرب، الذين اعتنقوا الإسلام في ديارهم الجديدة، وأبدعوا موسيقى صوفية تمزج بين الموروث المغربي الأمازيغي والعربي والأفريقي.
وعن دورة هذه السنة من المهرجان «الكناوي» فقد تميزت بتقديم تجربة موسيقية فريدة، وتنظيم أكثر من 30 حفلا فنيا تتوزع على ستة فضاءات مختلفة بالمدينة.
وتميز افتتاح مهرجان كناوة وموسيقى العالم تنظيم استعراض مزج بين ألوان فنية متعددة، جاب مختلف أرجاء المدينة العتيقة، والموكب الاستعراضي، انطلق من «باب دكالة» وصولا إلى «ساحة المنزه»، شهد حضورا جماهيريا من كل الفئات والأعمار من ساكنة المدينة وزوارها المغاربة والأجانب الذين حجوا للاستمتاع بلوحات من الفن الكناوي وعروض فلكورية وبهلوانية.
وأبى منظمو المهرجان إلا أن يختاروا الأماكن المصنفة ضمن التراث الإنساني العالمي بمدينة الصويرة لتكون مسرحا للعروض الفنية، وذلك لكي يتم استحضار عاملي المكان وربطه بطبيعة الفن الكناوي العريق، فبعد «باب دكالة» و»ساحة المنزه»، تم اختيار منصة «مولاي الحسن»، ذات الطابع المغربي البرتغالي، والشاهدة على المزج الموسيقي الحاصل بين العديد من «المعلمين الكناويين» وأسماء لامعة في الجاز وموسيقى العالم.
وعرف الحفل الافتتاحي، إقامة أمسية فنية جمعت بين المغربيَيْن المعلم حسن بوسو، الذي اشتهر بخبرته في المزج، والفنان الأمازيغي فولان وعازف الكمان الفرنسي الشهير ديدييه لوكوود.
ونجح الفنانون الثلاثة، المنحدرون من آفاق مختلفة، في تقديم مقطوعات من ريبرتوار الفن الكناوي العريق بإدماج آلات موسيقية غريبة تماما عن هذا الفن، وهي الرباب والكمان.
وينتظر عشاق الموسيقى أيضا تلك السهرة الختامية، التي ستنتظم على إيقاعات العازف اللبناني إبراهيم معلوف، والمغنية آيو، التي ولدت في ألمانيا، هذا إضافة إلى المالي باسكو كوياتي، وهو فنان من نغوني (صاحب آلات موسيقية أفريقية تقليدية) وريث التقاليد الأصلية لماندينغ، الذي سيكون حاضرا بالمهرجان مرفوقا بفرقته «نغوني با».
وإمعانا في البعد الأفريقي الذي ينحو إليه الفن الكناوي، ارتأى منظمو المهرجان أن يقيموا منتدى موازٍ له، هذا المنتدى الذي يحمل شعار «إفريقيا قادمة»، يجمع أكاديميين وسياسيين وفنانين وصحافيين مغاربة وأجانب، من أجل مناقشة أربعة محاور تهم «نظرات تاريخية» و»الديناميات المعاصرة: الدول والتعبئة والأزمات» و»ثقافات وهويات، ديناميات وإعادة تشكيل›› و»أفريقيا المستقبل». وستتناول الدورة العديد من المواضيع كـ»أفريقيا والعولمة، تاريخ طويل»، و»من أجل تعليم التاريخ الأفريقي بالمغرب»، و»إعادة التأمل في العلاقات التاريخية بين شمال أفريقيا والدول الواقعة جنوب الصحراء من خلال دراسة الأقليات الدينية والإثنية: حالة يهود الصحراء»، و»الهويات والمناطق والدولة في إفريقيا»، و»المغرب وسياسة الهجرة وكيفية التفكير في التعددية الدينية»، فضلا عن مناقشة مواضيع من قبيل «حرية تنقل الأشخاص في إفريقيا الواقع والتحديات».
سعد ناصر