القاهرة ـ «القدس العربي» ـ من كمال القاضي: الدعاية التي روجت لفعاليات الدورة 38 لمهرجان القاهرة السينمائي كانت أكبر بكثير من النشاط الفعلي، فقد بدأت الحملات الدعائية قبل بداية الدورة بعدة أيام، واستبقت ما يمكن أن يحدث على أرض الواقع لتهيئة الجمهور لاستقبال الحدث الثقافي الفني السنوي، ولأن خط الانتظام في الدورات قد انقطع أو ارتبك خلال السنوات القريبة الماضية، لجأ مسؤولو الدعاية إلى المبالغة لمحو الآثار القاتمة وتحسين الصورة للعودة إلى ما كان عليه الحال أيام الزهو الأول، وقت رئاسة الكبار للمهرجان في سنوات تميزه وازدهاره، كمال الملاخ وسعد الدين وهبة وحسين فهمي وشريف الشوباشي وهي فترة ما قبل المنحنى والمنحدر.
عادة ما كان يشار إلى ضعف المهرجان بمساوئ ومشكلات حفلي الافتتاح والختام، ومن سوء تنظيم وفقر في الدعوات ومجاملات ومحسوبيات تفرضها العلاقات العامة. هذا العام وبعد مرور 38 سنة على أعرق وأهم وأكبر مهرجان سينمائي عربي في الشرق الأوسط صار مصطلح الوهن والضعف وصفا عاما لا يقتصر فقط على حفل الافتتاح أو حفل الختام، رغم الجهود المبذولة والنوايا الحسنة لإنجاحه، لكن المسألة أكبر من العمل بالنية وتكثيف الدعاية، فهناك مهرجانات عربية منافسة كشفت نقاط الضعف فباتت المعالجات البدائية غير مجدية أمام أمراض حقيقية تستوطن جسد مهرجان القاهرة، فقد أوكلت مسؤوليته للهواة ليلعبوا دور قيادات الصف الثاني، في وقت تكتفي فيه الشخصيات البارزة بأن تكون مجرد واجهة إعلامية فحسب، كالرئيس الحقيقي والرئيس المجازي والمدير العام والمدير العام المساعد إلى آخر قائمة القيادات والمقامات الرفيعة.
لقد تعددت أوجه الضمور والقصور المؤدية للضعف العام، والناتج عنها، في نهاية الأمر «فشل وعجز متلازمان، فأسفرت عن أجواء احتفالية كرنفالية للاحتفاء والتكريم، بينما المشكلات الأساسية لا تزال قائمة كما هي دون أدنى تحسن أو أمل في التحسن، وليس أدل على ذلك من الحقائق التي ذكرت عن الأزمة المركبة للسينما المصرية في ظل افتقادها للمقومات الأساسية ومنها على سبيل المثال، عدم وجود سوق لها خارج إطارها المحلي، وهو أمر شغل لسنوات طويلة الراحل سعد وهبة، حيث ناضل من أجل فتح أفاق وأسواق جديدة للفيلم المصري متخذا من المهرجان قاعدة انطلاق في هذا الاتجاه، ومن وفاته وإلى الآن لم يحدث أي تقدم في هذا الشأن غير مزيد من الندوات والجلسات والتوصيات وسيل من التصريحات البراقة لزوم ما يلزم من الدعاية والتسويق النظري لبضاعتنا السينمائية.
وإذا أخذنا في الاعتبار الدعم المقدم من وزارة الثقافة، الذي يبلغ نحو 50 مليون جنيه مصري، نجد أنه وهو الخطوة الإيجابية الوحيدة، معلق في رقبة الروتين والإجراءات البيروقراطية المنوط بها تعويض أي محاولات في اتجاه الإصلاح وتصحيح الأخطاء المتراكمة أو الناشئة حديثا بفعل الامتداد الطبيعي لسياسة التصريحات الاستهلاكية، لبعض المؤسسات الفنية المعنية بالسينما، ولن نزيد في الإشارات والدلالات لإثبات وجود الأزمة، فالمعطيات غنية عن التعريف والإضافة، ونوقش بعضها في الندوات المتخصصة على هامش المهرجان في حضور عدد من المسؤولين والمعنيين.
نذهب إلى النقطة المحورية في الفعاليات والمتعلقة بوجود الصين كضيف شرف لهذا العام، وقد عرض على هذه الخلفية 15 فيلما من إنتاج السينما الصينية في الفترة ما بين 2001 إلى 2015 لبيان التنوع الفني والموضوعي واكتساب الخبرات التقنية في كافة الجوانب، فضلا عن تأمل ودراسة المرجعيات الفكرية والسياسية لبعض الأفلام التي طرحت قضايا كبرى واهتمت بالشأن الصيني العام، وهو ملمح يشير إلى تعاون قد يكون مزمعا تحقيقه بين البلدين، في إطار التقارب الثقافي المنشود، خاصة أن مصر فتحت أسواقها للمنتج الصيني في مجالات مختلفة، وقد جاء الدور على السينما لتكون ضمن السلع الاقتصادية المراد ترويجها في العاصمة الصينية بكين، على الأقل لتعزز النشاطات التجارية الأخرى في ضوء ما يتم إنتاجه من الأفلام المصرية عن طبيعة الحياة في القاهرة وبقية المدن، ومن ثم التعرف على النمط الاجتماعي واحتياجاته ومتطلباته، فالسينما هي الوسيط الأمثل لنقل الثقافات والعادات بمختلف أشكالها وألوانها.
وبشكل عام تتوجه بوصلة الفن والسينما نحو القارة الآسيوية كلها وليس الصين وحدها، فهناك اهتمام بالفيلم الهندي بمستوياته بعيدا عن الشكل التجاري الصريح لأفلام الأكشن، فالاهتمام قد يتركز في المرحلة المقبلة على النمط الإنساني للسينما الهندية، كما هو التناول في فيلم «الممر الضيق» الذي كان ضمن عروض المهرجان. ونال تأييد النقاد وإعجاب الجمهور الفيلم الأذربيجاني «الحديقة الحمراء».
ثمة عروض مصرية وعربية مهمة كان لها تأثير إيجابي، من بينها الفيلم التسجيلي «نحن المصريون الأرمن» الذي ناقش لأول مرة واقع الجالية الأرمنية في مصر قبل جلائها منذ سنوات طويلة، وأيضا فيلم «البر الثاني». كما كان هناك تمثيل مشرف للجزائر بعدة أفلام منها «حكاية قرية» وقد أضفى حضور المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي حيوية خاصة، وشكل بعدا ثقافيا مهما، رغم أنه لم يشارك هذا العام بفيلم من إخراجه، كما هي العادة، ولكن جاء تمثيله للسينما الفلسطينية ضمنيا هذه المرة.
تلك كانت قراءة في صفحة مهرجان القاهرة السينمائي جاءت وفق ما نعتقد أنه صحيح، حسب وجهة نظرنا المتواضعة في نشاطاته ودوره.