القاهرة ـ «القدس العربي» : في كلمته بحفل ختام مهرجان القاهرة السينمائي أشار الدكتور جابر عصفور وزير الثقافة إلى مزايا الإبداع التي تحتوي الخلافات السياسية وتتجاوزها، موضحا أن فوز السينما الإيرانية وتفوقها كان المثال الدال على عمق الفن ونضجه وعبوره لكل دوائر الخلاف وتعقيداته. والحقيقة أن هذا الرأي يعكس مدى تفهم المؤسسة الثقافية المصرية للدور المنوط بالثقافة، كوسيلة ربط بين الشعوب مهمتها تذويب الخلافات وتقليل الصدامات وتقريب وجهات النظر.
بدا في كلام الوزير أنه يحاول تحسين العلاقات التي أفسدتها السياسة ما بين القاهرة وطهران، ولا ندري ما إذا كانت هذه مهمة قد كلف بها الدكتور جابر وأراد أن يمررها مرورا سهلا في حفل الختام، أم أنها مبادرة شخصية حاول أن يدلل بها على اختلافه وتميزه. أيا كان الأمر فإن ما قاله يوحي بأن هناك معايير مختلفة في العلاقات بين الشعوب تلتزم بها الثقافة في مواجهة الخلافات الحكومية.
يفهم من ذلك أنه على المستوى غير الرسمي هناك اجتهادات في فتح صفحة جديدة على بعض الدول، التي تتخذ الفنون والثقافة والإبداع جسرا لها ويتم في هذا الإطار دعمها أو على الأقل التمهيد لها.. لا بأس إذن من توضيح موقف الفن وموقعه من الإعراب في قضايا الخلاف السياسي، فالحرص على مخاطبة الشعوب مباشرة بكل ألوان الفكر الإبداعي سيزيل بالفعل كل معوقات التفاهم، ولكن لكي ينجح دور الإبداع في تحقيق غايته الإنسانية لابد من وجود تناغم عام على مستويات كثيرة، حتى لا تبدو المبادرات الفردية عزفا نشازا خارج الأوركسترا السيمفوني.
حفل ختام المهرجان بكل ما جاء فيه من تفاصيل كان مختلفا اختلافا جذريا عن حفل الافتتاح، فقد تبلورت من خلاله نوايا طيبة تجاه السينما العربية وبقية الدول المشاركة، فلم يكن هناك أثر لظلال خلافية في قرارات لجان التحكيم، بل مضت الأحكام بالقسمة العادلة بين الأفلام المتميزة والأفلام الأكثر تميزا فحصل بموجب هذه العدالة الفيلم الإيراني «ميلبورن» على جائزة الفيلم الذهبي، فيما حصلت مخرجة الفيلم اليوناني «إلى الأبد» على جائزة أحسن مخرجة، وفي السياق الموضوعي وبمعايير الاستحقاق لم تأت جائزة سعد الدين وهبة ثاني مؤسس لمهرجان القاهرة السينمائي بعد كمال الملاح، من نصيب أي من الفيلمين المصريين، ولكنها ذهبت للمخرج المغربي كمال كمال عن فيلمه «صوت خفي» وبالقياس كانت جائزة أحسن فيلم عربي من نصيب فيلم «حكايات شهرزاد» وقدرها 150 ألف جنيه.
وقد تنوعت الجوائز واختلفت الأفلام وخرج الفيلم المصري «باب الوداع» بجائزة الهرم الفضي لأحسن إسهام فني حصل عليها مدير التصوير زكي عارف، بينما جاء الفوز الثاني للسينما المصرية متمثلا في فوز خالد أبو النجا بجائزة أحسن ممثل عن دوره في فيلم «عيون الحرامية» للمخرجة نشوى النجار، وهذا الفوز على وجه التحديد يعكس منتهى الحيادية، لا سيما أن خالد وهو ممثل جيد بالفعل له آراء معارضة يعرب عنها في كل المناسبات بشكل حاد، ولو أن هناك تمييزا أو مؤاخذة على الآراء السياسية لكانت الجائزة قد حجبت عنه، وهذا ما يقودنا إلى ما بدأناه عن النوايا الحسنة للفن والفصل بين أن تكون مبدعا وأن يكون لك رأي معارض.
أتصور أن هذا المعنى هو ما تم التأكيد عليه في عرض «عصفور النار» الذي قدمه الراقص أحمد يحيى وأخرجه المخرج وليد عوني وجسدا فيه روح التسامح والنزوع إلى المثالية والبحث عن عوالم خالية من البغض والكراهية.. حالة فنية إنسانية عبر عنها الراقص البارع الذي اعتزل السينما مبكرا بالحركة الجسدية وخفة الأداء المذهل لراقص بالية محترف يمتلك مقومات فردية ولغة تعبيرية مختلفة حاول أن يطوعها المخرج الراحل يوسف شاهين ليصنع من اكتشافه أسطورة فنية، ولكن أحمد يحيى أبى إلا أن يستكمل مشواره السينمائي ورأي أنه خلق للبالية والطيران على خشبة المسرح فطار وحلق في ليلة ختام العرس السينمائي المصري للمهرجان الذي أنقذ نفسه في اليوم الأخير.
كمال القاضي