مهرجان الكتاب اللبناني في أنطلياس حضن مؤنس للثقافة والحوار

حجم الخط
0

بيروت ـ “القدس العربي” ـ من زهرة مرعي: مؤنس وحميمي “المهرجان اللبناني للكتاب في أنطلياس”. تشعر حياله وكأنك لم تغادر دارك. المكان بعينه، والعامية المغروسة في التاريخ الوطني، الأخوان رحباني وسائر من صنعوا للبلدة وهجاً وصيتاً ثقافياً يجعل من المهرجان فعالية مقصودة بحب. هي الدورة الخامسة والثلاثون التي تنظمها الحركة الثقافية ـ أنطلياس وحملت في زمننا المتزمت اسم مطران الانفتاح والعلمانية والفقراء غريغوار حداد. في العشرين من الشهر الجاري، ختم المهرجان عقد الأسبوعين، مستقبِلاً قبل الظهر تلامذة المدارس الذين يأتونه بتنظيم بين الإدارات والقائمين على المعرض، حيث تخصص لهم محاضرات توعية متنوعة ويجولون في المعرض. وبعد الظهيرة تنطلق فعاليات ثقافية من نوع آخر، تشكل ميزة وتؤدي لجاذبية رواد من كافة المناطق وكافة أطياف الثقافة. وإذا كان الكتاب الإسلامي في معرض الكتاب العربي والدولي في البيال له حضوره البارز على مرمى العين، فإن وجوده مؤكد في معرض أنطلياس مع طغيان ظاهر للكتب الدينية المسيحية وغيرها من المعروضات الدينية الطابع.
يصرّ أمين الإعلام في الحركة الثقافية عصام خليفة ومن معه على تنظيم واستقبال فعاليات مختلفة في مذاقها ونكهتها بين فكر، شعر، أدب، سياسة وغير ذلك. وللمهرجان في كل عام محطات تكريم مع من يستحقون. ولا يضير القول بأن خليفة مسكون شكلاً ومضموناً بالجامعة اللبنانية والتعليم الرسمي، فهو من رحمها ومن بناة الأسس الديمقراطية في الجامعة حين كانت متاحة. يزهو خليفة بحضور رفاق الأمس من الأساتذة المتقاعدين، أو في طريقهم للتقاعد، وبعض الجدد المتحمسين للهم الثقافي. غصت قاعة الاستقبال بمن لبوا دعوة الحضور لتكريم الباحث في علم النفس مصطفى حجازي. “المهرجان اللبناني” وفيٌ حيث قلّ الوفاء لأسماء لبنانية وعربية، كرّم هذا العام إحدى عشرة شخصية لبنانية وعربية. وقدّم تحيات للامعين الذين رحلوا خلال العام المنصرم من كتّاب سياسيين، دبلوماسيين وأدباء وفنانين عرب ولبنانيين من بينهم محمد حسنين هيكل. إلى جانب عقد العديد من الندوات الفكرية وتلك المصنفة من عناوين اللحظة. وفاقت حفلات التوقيع الخمسين.
لافت في “المهرجان اللبناني للكتاب في انطلياس” تكاتف دور النشر للحضور في مساحة مشتركة وضمن عناوين محدودة. على سبيل المثال مكتبة عليّان ـ دار الكتاب التربوي تقوم وبتوكيل من أهم دور النشر اللبنانية بعرض إصداراتها. منها شركة المطبوعات اللبنانية، دار العلم للملايين، رياض الريس، الرافدين، دار الأداب، أكاديميا، المركز العربي وغيرها. حيز مكاني طولي تتجاور فيه تلك الدور. يقول عدنان عليّان هذا ما يفرضه المكان الذي تخصصه الحركة الثقافية للمعرض، وهذا لا يمنع أن تتميز المعروضات بالغنى والتنوع. ووقوع المعرض تحت سقف كنيسة مار إلياس عزز وجود الكتاب الإسلامي، وهو مطلوب. وأهمية هذا المعرض أنه الثاني في لبنان بعد معرض البيال. ويشكو عليّان من تكرار عناوين الكتب بين دور النشر، فيما الباحث عن كتاب يطلب التجديد وليس التقليد والتكرار أو النسخ. أن نحضر في معرض أنطلياس فهذا عُرف، والتوكيلات التي نقوم بها تقدم العناوين المهمة من الكتب والجديدة، وهذا ما يسمح لستة دور نشر بالوجود في مساحة 35 متراً مربعاً.
في جناح دار سائر المشرق كان الزميل أنطوان سعد يوقع إصداره “بقاء المسيحيين في الشرق خيار إسلامي” في طبعته الثانية وإلى يساره رجل دين مسلم معمم. نسأله اختصاراً لمحتوى الكتاب في هذه المرحلة الصعبة التي يتغير فيها وجه الشرق. يقول: قناعتي راسخة بأن بقاء المسيحيين في الشرق، خصوصاً خارج لبنان منوط بالدرجة الأولى بالغالبية الإسلامية. فالمسيحيون في الدول العربية خارج لبنان باتوا فاقدي الحضور وفاقدي قدرة التأثير على الحيز العام. وهذا تلا التأميم في مصر، سوريا والعراق ومصادرة المدارس، دور العجزة والمستشفيات التي كانت تشكل خدمة اجتماعية يقوم بها المسيحيون. فلم يعد لهم دور حتى اجتماعياً. وفي كافة تلك الدول بات المسيحيون أقلية عاجزة عن التأثير في الحيز العام. الانطباع الذي يوحي به الواقع الحالي يدفع للسؤال: هل قررت الأكثرية الإسلامية القضاء على الوجود المسيحي بعد أكثر من 1400 سنة من مجيء الإسلام؟ كما ورد في متن الكتاب مجموعة مقترحات لتعزيز الوجود المسيحي في دول المشرق العربي.
ورداً على سؤال يقول سعد: حين كان الأسود في الولايات المتحدة ممنوعاً من دخول دورة المياه التي يدخلها الأبيض، كان فارس الخوري رئيساً لمجلس النواب ووزيراً للأوقاف في سوريا. في الولايات المتحدة حالياً الرئيس أسود، فأين المسيحي في مركز القرار في الدول العربية؟ يؤلمني أن جيلنا يشهد أفول الدور المسيحي في الشرق. نسأله إن كانت للمسيحيبن مسؤولية في عدم بقائهم في الشرق؟ هم مسؤولون في لبنان فقط. برأيه.
شبان ثلاثة كانوا معاً نسألهم عن سبب حضورهم إلى المعرض؟ نعرف أحدهم لديه توقيع. لسنا بصدد البحث عن عناوين كتب، فلسنا في زمن الكتاب. هل لديك مكتبة في المنزل؟ بعض الكتب وليس مكتبة، وهذا لا يعني أنني اهتم بالكتاب أكثر من اهتمامي بالهاتف الذكي. لكن طبيعي أن اشتري لأطفالي كتباً وقصصاً.
لجامعة سيدة اللويزة جناح كبير تُعرض فيه مطبوعات الجامعة من محاضرات وأبحاث، إلى جانب مطبوعات دينية ووجدانية وشعر. إنما بحسب المسؤول عن الجناح التركيز على الكتب العلمية، نظراً لأهميتها للطلاب.
يوضح أمين الإعلام في الحركة الثقافية عصام خليفة دوافع إطلاق اسم الراحل غريغوار حداد على المعرض لهذا العام، في حين تمّ تكريمه في دورة عام 2012، يقول: غريغوار حداد رجل دين مناضل في سبيل علمنة الدولة والمجتمع والتربية والثقافة. وكان سباقاً في الدعوة للعدالة الاجتماعية التي ينادي بها حالياً الباب فرنسيس. ورداً على هجوم الأفكار التعصبية الإسلامية واليهودية والمسيحية حمل المعرض اسم غريغوار حداد. نحن نواجه الواقع غير المطمئن بهذا الفكر العلماني، لأنه الحل للكثير من القضايا العربية، خاصة في لبنان. وختام المعرض سيكون بندوة حول فكر غريغوار حداد يشارك فيها نصري الصايغ، هدى رزق حنا، ميشال توما وشبيب دياب.
يؤكد خليفة خصوصية معرض أنطلياس في تكريمه لعشرات الأعلام العرب واللبنانيين ويقول: الكتاب محور في “المهرجان اللبناني للكتاب في أنطلياس”. نخصص فترة الصباح لندوات خاصة بتلامذة المدارس. اليوم حدثناهم عن التراث ودوره في حياتنا. وبعد الظهيرة نتوجه لما يهم مجتمعنا ووطننا، مئة عام على سايكس بيكو والتركيب المقبل لخرائط منطقتنا، النفايات مشاكل وحلول، الديموغرافية السورية في لبنان. لقد ناقشنا في ندواتنا المتتالية تسعة كتب متصلة بهذه العناوين. وكرمنا 11 علماً ثقافياً، اثنان من العراق والآخرون من لبنان. ومن مميزات معرض الكتاب في أنطلياس أن كتب الحقوق هي الأكثر طلباً ومبيعاً. وكل دار يطبع جديداً يسجل حركة بيع ملحوظة بدون شك.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية