تونس ـ «القدس العربي»: بعد مهرجان قرطاج السينمائي الذي أسدل عنه الستار منذ أيام، انطلقت في تونس فعاليات مهرجان قرطاج للمسرح أو أيام قرطاج المسرحية كما تسمى رسميا. ومثل قرطاج السينمائي ركز المهرجان المسرحي التونسي على فناني ومبدعي دول الجنوب خصوصا العرب والأفارقة وكأنه ملتقى مسرحي لبلدان ما كان يسمى «مجموعة دول عدم الإنحياز». وتشرف على هذا المهرجان العريق والهام، الدولة التونسية ممثلة بوزارة الثقافة التونسية. وتصر الوزارة على عدم التفويت في التظاهرات الثقافية الكبرى إلى الخواص خشية من هبوط مستوى العروض المقدمة سينمائيا ومسرحيا، كما يحصل في بعض المهرجانات الإقليمية، التي تأسست حديثا والتي لا تحمل من البلد الذي تنظم فيه إلا الاسم، في حين يشرف عليها «مقاولون» أجانب يعتمدون على عنصر الإبهار في الصورة، مع التركيز على كل ما هو تجاري غير هادف ولا يهتم بمعالجة قضايا هامة تعيشها الإنسانية.
عراقة
وتعتبر أيام قرطاج المسرحية إلى جانب مهرجان دمشق للمسرح أهم التظاهرات المسرحية العربية بالنظر إلى العراقة وإلى جودة العروض والتقاليد المسرحية الضاربة في القدم في البلدين. وتتنافس كبرى الفرق المسرحية العربية والافريقية والعالمية على المشاركة في مسارح قرطاج وتقديم العروض إلى الجماهير التونسية التي تقبل عليها بنهم وكثافة، وكذلك الضيوف من العرب والأجانب الذين تراجع اقبالهم في السنوات الأخيرة نتيجة للظروف الاستثنائية التي تعيشها البلد.
ولعل المسرح البهي، الموجود في القصر الرئاسي في قرطاج والذي يعتبر تحفة فنية معمارية، هو دليل راسخ على أهمية المسرح وسائر الفنون في التقاليد التونسية المتوسطية الضاربة في القدم التي تعود جذورها إلى الفترة الامبراطورية الزاهية لجمهورية قرطاج قبل ميلاد المسيح. وكان الرئيس الزعيم الحبيب بورقيبة حريصا على استضافة الفرق المسرحية في القصر وعلى تشجيعها ودعمها وحثها على أن تقدم له العروض في مسرح القصر المشار إليه، فقد كان شغوفا بالأدب والعروض المسرحية، ولا يتردد في المشاركة في تقمص بعض الأدوار ومشاركة الممثلين في أدائها. وكان مهرجان قرطاج المسرحي ينظم في السابق مرة كل سنتين شأنه شأن المهرجان السينمائي (أي سنة للسينما وسنة للمسرح)، لكن تقرر منذ ثلاث سنوات أن ينتظم المهرجانان معا كل سنة وبصورة متتابعة. فتعيش تونس بذلك عرسين ثقافيين متتابعين أثبتت التجربة أنهما يساهمان معا في تطوير المشهد الثقافي وإضفاء مسحة من الحيوية في عاصمة الخضراء تحتاجها البلاد في هذا الظرف الاستثنائي الذي تمر المنطقة.
شكسبير في الموعد
واهتم المهرجان هذه السنة بالكاتب المسرحي الانكليزي وليام شكسبير بمناسبة الذكرى المئوية الرابعة لوفاته وانتظمت ندوات في هذا الغرض شارك فيها مسرحيون من جميع أنحاء العالم. وكرم المهرجان أسماء من مسرحيين عرب مثل التونسي المنصف السويسي والجزائري محمد آدار والمغربي الطيب الصديقي.
وتوزعت العروض على مدن تونسية أخرى ولم تقتصر على العاصمة مثلما جرت العادة خاصة وأن جهات عديدة داخل البلاد لها تقاليد مسرحية مثل مدينتي الكاف وقفصة اللتين تتوفر بهما مركزان للفنون المسرحية والدرامية تشرف عليهما الدولة وتوفر لهما الدعم. وهناك فرق جهوية مسرحية كبرى وشهيرة في القيروان وصفاقس ونابل وجهة الساحل أيضا وغيرها، لفتت الانتباه بأعمالها الجيدة والراقية وأنجبت ممثلين كبارا ذاع صيت بعضهم عربيا.
وتمت برمجة 62 عملا مسرحيا في هذا المهرجان توزعت على 25 دولة من مختلف أنحاء العالم وقدمت عروضا راقية أشاد ببعضها الجمهور العريض الوفي لمهرجانه. ولم تقتصر الفرق المسرحية على البلدان العربية والافريقية فهناك فرق كبرى بممثليها المحترفين جاءت من فرنسا وايطاليا وألمانيا وبلجيكا وتوزعت عروضها على مختلف المسارح والقاعات التي وقع عليها الاختيار لاحتضان العروض في غياب المسرح البلدي الذي أغلق مؤقتا للترميم والصيانة.
واعتبر كثير من المسرحيين أن اغلاق المسرح البلدي، ذلك الصرح التاريخي الرائع المنتصب في قلب العاصمة، أبوابه اضطراريا، أثر سلبا على المهرجان. إذ لا يتصور هؤلاء مهرجانا يعنى بالمسرح دون أن تكون أبواب المسرح البلدي بهندسته المعمارية التي تحيل إلى عصر النهضة في أوروبا، مشرعة بوجه المسرحيين والإعلاميين والسياسيين وجماهير المسرح.
عاصمة الثقافة العربية
وتزامنت هذه الدورة من أيام قرطاج المسرحية مع اختيار مدينة صفاقس كعاصمة للثقافة العربية، ولذلك فإن المهرجان العريق حل ضيفا في مدينة صفاقس من خلال تقديم الفرق المشاركة لعروض مسرحية في هذه المدينة الجنوبية الساحلية. وكانت صفاقس استفادت أيضا من مهرجان قرطاج السينمائي وضيوف هذا المهرجان على غرار الممثل المصري عادل إمام.
ومن الهنات التي تمت ملاحظتها في هذا المهرجان هو عدم الاهتمام الإعلامي بالمسرح مقارنة بالسينما. فشتان بين العدد الضخم لوسائل الإعلام المحلية والعربية والعالمية التي غطت المهرجان السينمائي في قرطاج منذ أسابيع معدودة، وبين النزر القليل الذي واكب أحد أهم وأعرق المهرجانات المسرحية العربية في البلد ذاته.
روعة قاسم