مهرجان عيد السمك… موعد مع البحر والزمن الأصيل: «حلق الوادي» التونسية تعود إلى الحياة مجددا

حجم الخط
3

تونس ـ «القدس العربي»:  تحت شعار «حلق الوادي مدينة السياحة والتعايش والتسامح» وبعد غياب خمس سنوات، عاد مهرجان عيد السمك في حلق الوادي لترتدي المدينة البحرية من خلاله حلة جديدة من الألوان مستقبلة زوارها وعشاقها من كل حدب وصوب.
وحلق الوادي، التي تغنى بها الفنان فريد الأطرش، هي إحدى أعرق المدن التونسية وأقدمها. تقع في شبه جزيرة مطلة على البحر الأبيض المتوسط وتتميز بمينائها الأثري وحصنها الذي بني على يد كارلوس الخامس الإسباني عام 1535 والذي يعرف بإسم «الكراكة». كانت في ما مضى وجهة محبذة للايطاليين والاسبان المهاجرين من صقلية والأندلس الباحثين عن الاستقرار والأمن في ربوع المتوسط. وكانت عبر التاريخ ملتقى للتواصل بين الشعوب والحضارات المتعاقبة. وتتوحد فيها الكنائس اليهودية والمسيحية بالمساجد، في مشهد نادر، يعبر عن التآلف بين مختلف الشرائح التونسية ويعطي للمدينة خصوصية ثقافية ورونقا خاصا يجذب السياح.

عودة بعد غياب

عادت حلق الوادي هذا الصيف لعشاقها ومحبيها وساهري ليلها وأهدتهم ألذ أطباقها وهدايا بحرها الوافر. وعلى إيقاع البحر ونسيم المساء الصيفي استقبلت زوارها القادمين من كل مكان وذلك ضمن فعاليات «عيد السمك» الذي نظم على إمتداد يومي 25 و26 آب/أغسطس الماضي، برعاية ولاية تونس والمندوبية الجهوية للثقافة وبإدارة منصف الشاوش. وحظي المشاركون والزائرون بطبق شعبي شهي من السمك البحري المشوي بسعر رمزي لا يتجاوز ( 10 دنانير تونسية) أي ما يعادل 5 دولارات. تعبيرا عن التضامن والمحبة بين كل القطاعات التونسية وتأكيدا على التشبث بمبادئ السلام والحياة.
وأكد مدير المهرجان أن الهدف من هذه التظاهرة هو إظهار الميزة الاقتصادية والثقافية والسياحية لحلق الوادي. وقال ان التحدي الأكبر كان في الحفاظ على تقاليد المهرجان وأهدافه الثقافية والحضارية.
وانطلقت الاحتفالية بعرض فني ضخم في شارع روزفلت شارك فيه شباب المدينة وأبناؤها الأوفياء لها ولعاداتها.. إضافة إلى عروض شيقة بالزوارق البحرية. كما افتتح الفنان التونسي فرحات الجويني اليوم الأول بأغانيه الشعبية المعروفة ولم تبخل حلق الوادي كعادتها على الزائرين، فاستقبلتهم بياسمينها الفواح الممزوج برائحة السمك المشوي في الفضاء الطلق، كما تخللت المهرجان مسابقة أفضل طبق، حيث تتسابق مطاعم السمك، التي تشتهر بها حلق الوادي ويأتيها الزوار من كل أنحاء البلاد وعلى مدار السنة، لتقديم أجود الأطباق البحرية مزينة بلمسات سحرية تضفي على المشهد رونقا خاصا.
تزدحم حلق الوادي في هذا العيد بآلاف الزوار القادمين من كل حدب وصوب، سواء من التونسيين أو الجزائريين أو الليبيين أو حتى الأجانب الأوروبيين، وتفوح أرجاء المدينة برائحة السمك المشوي التي تشتم من مداخلها الرئيسية. لقد أصبح عيد السمك مناسبة هامة تعيد سنويا لحلق الوادي أهميتها التاريخية باعتبارها رمزا للتعايش السلمي بين عناصر بشرية قادمة من أرجاء المتوسط. كما أن وقوعها على تخوم قرطاج جعل عبير هذه الحضارة يطال نمط تفكير أبنائها، ناهيك عن احتضانها للميناء المدني الأهم للبلاد التونسية الذي يجعل الخضراء منفتحة على محيطها المتوسطي الذي ما زالت بصمتها بادية في حضاراته منذ العهد القرطاجي.

ملهمة الفنانين والمبدعين

كتب الشاعر التونسي حفناوي البرهومي قصيدة بعنوان «مرثية حلق الوادي» في وصف المدينة قائلا :»ان الخريف عدوي..وان الربيع رواحي وغدوي..وأنا في حلق الوادي..أتخبط…أنعي الصيف الراحل ذات مساء.. أنعي البحر الهادي..أنعي عري النساء..أنعي حر الشمس..أنعي الفل والياسمين..أنعي صفاء السماء..أنعي كل لقاء».
ولعل هذه الأبيات تشير إلى عمق الروابط الروحية والنفسية التي تختزل علاقة التونسي بالمتوسط وبهذه المدينة، وتختزن حيزا عميقا من موروث البلاد. في هذا السياق يقول الكاتب والشاعر التونسي حفناوي البرهومي لـ «القدس العربي»: «لتونس لوحات خلاّبة صورها المبدع وتغنى بها الفنانون والشعراء، أهمها حلق الوادي التي كانت القبلة المفضلة لعدد من الفنانين والمبدعين منهم المطرب فريد الأطرش الذي زار بلادنا سنة 1952 وغنى صادحا: «تونس أيا خضراء يا حارقة الأكباد..غزلانك البيضاء تصعب على الصياد..على الشطوط تعوم..ما تخاف صيد المي في المرسى وإلا في حلق الواد».. وقد سمي أحد الأنهج بإسمه..ولا زال نهج فريد الأطرش هو الرابط بين شارعي المدينة الرئيسيين الحبيب بورقيبة وروزفلت. ويتابع محدثنا قائلا: «لحلق الوادي خاصية سياحية وثقافية ووطنية أيضا، فهي التي استقبلت في مينائها زعيم تونس الحبيب بورقيبة سنة 1955 عند عودته مبشرا شعبه باستقلال البلاد، وتجمعت حينها الجماهير قادمة من كل صوب وحدب.. وكان تمثاله البرونزي الشهير منتصبا سنين عدة في ساحة المدينة ليتم نقله إلى الشارع الرئيسي في العاصمة قبل أشهر، ويمتطي بورقيبة في هذا التمثال صهوة جواده وهو يحيي الجماهير على غرار ما قام به في ذلك اليوم التاريخي مباشرة بعد نزوله من الباخرة». ويضيف:»حلق الوادي تتميز ببحرها الجميل ونسيمها العليل وجوها الأصيل وتحلو فيها السباحة نهارا والسهر ليلا. إذ ان معظم سكان الضواحي يرتادونها لقربها من العاصمة حيث تبعد عنها نحو 10 كيلومترات. وهي أيضا مرفأ أساسي للمراكب وسفن التصدير والتوريد ومرسى للمسافرين القادمين من كل الأصقاع.. وتتميز بحركة لا تهدأ ليل نهار». أما عن أكلة السمك البحري فيقول البرهومي:»عرفت حلق الوادي بسمكها الطازج وغلال بحرها وجراده وهي غنية بشتى أنواع السمك لذلك لم يكن صدفة ان يبتدع أبناء المدينة مهرجانا خاصة للاحتفاء بالسمك وذلك خلال شهر آب/اغسطس سنويا وعلى مدى عشرين عاما».

احتفاء بالبحر والصيف

وفيما يتعلق بفعاليات المهرجان أضاف:»أنا من محبي هذه المدينة وأحرص على القدوم إليها في كل سنة وحضور مهرجانها. وفي اليوم الأول تستقبلنا عند مدخل المدينة فرق ومحافل موسيقية بشتى أنواع الطبول والمزامير والدفوف، فرق متنوعة المظاهر والزينة يشارك فيها شباب من أبناء حلق الوادي. ومع مغيب الشمس تنصب الموائد على الطرقات وفيها أجود أنواع السمك حيث يحلو السهر لآخر ساعات الليل ويعبق الياسمين الفواح مختلطا بروائح السمك المشوي وبترانيم موسيقية تختلف من مصدر لآخر كصوت أم كلثوم وفيروز ووديع الصافي وغيرهم». ويتابع:»في اليوم الثاني للمهرجان تزداد أعداد الوافدين، تغريهم الأثمان المعتدلة بالقياس مع باقي فترات السنة وتغريهم أيضا الأجواء الشيقة، فتونس تبقى بالرغم من كل ما أصابها ومن التهديدات التي واجهتها على مدار السنوات الماضية بلدا للفرح والجمال والإبداع على أنواعه وأشكاله».
وتقول إيمان النمري إحدى الزائرات لـ «القدس العربي»:»ان عودة المهرجان اليوم تبعث برسائل عديدة للداخل والخارج، وتؤكد على ان التونسيين يحبون الحياة ويقدرون الفن والموسيقى، وبهذه الإرادة سينتصرون على كل أشكال الإرهاب والعنف بكل مسمياته». وتضيف أن «الأجواء الطيبة هي التي دفعتها لتأتي مع أولادها كي يتعرفوا على تقاليد بلدهم وعاداته منذ صغرهم، لتبقى صورة تونس الحالمة الفرحة عالقة في أذهانهم».
 
موروث متوسطي

تجدر الإشارة إلى ان للتونسي علاقة خاصة بالسمك والبحر حيث تقع مناطق عدة على الساحل المتوسطي مما يساهم في نقل الأجواء البحرية إلى داخل الأسرة والمطابخ التونسية. وترتكز الأطباق الشعبية التونسية في عدد من المناطق على السمك وغلال البحر. وحساء السمك يكاد يكون المفضل لدى جميع التونسيين إضافة إلى أطباق السلطة بغلال البحر والرز والكسكسي بالسمك. وهناك مناطق ساحلية تعتمد أطباقها بشكل رئيسي على اللحوم البحرية. ففي صفاقس نجد الأكلة الشعبية المعروفة  بـ «الشرمولة» وهي عبارة عن سمك مجفف ومملح أضيف له خليط البصل والزبيب. كما تتميز جزيرة قرقنة بأكلة الكسكسي بالقرنيط (الأخطبوط البحري). وتتفنن المدن الساحلية بإعداد شتى أنواع الأطباق البحرية التي باتت جزءا أساسيا من موروث شعب يضم هويات عديدة في تركيبته الاجتماعية من العرب والأمازيغ والفينيقيين والأندلسيين وأقليات مثل الأتراك ومن جلبهم العثمانيون من شعوب البلقان والقوقاز والبحر الأسود إضافة إلى الإيطاليين وغيرهم.

جليلة عمامي المنظمة العامة للمهرجان لـ «القدس العربي»: مهرجان عيد السمك هو من أجل حفظ الذاكرة وتنشيط المدينة

قالت جلية عمامي المنظمة العامة للمهرجان ان عيد السمك عاد هذه السنة بهيئة مهرجان مستقلّ عن هيئة مهرجان البحر الأبيض المتوسط بحلق الوادي، المهرجان الثقافي للمدينة. وأكدت لـ «القدس العربي» ان التركيز كان في هذه الدورة على العودة بدرجة أولى بعد هذا الغياب، وعلى رسم إستراتيجية مشروع مهرجان يجمع بين الثقافي السياحي والتنموي ويتواصل على مدى يومين.
وعن أبرز التحديات التي واكبت العودة أجابت بالقول:«اشتغلت الهيئة هذه الدورة على تحقيق الفرجة والمواكبة للمهرجان معلنين أنّ تونس الوطن وحلق الوادي المدينة، مدينة حياة ومدينة سلم ومدينة منفتحة على زوّارها في الداخل والخارج فجعلت من خصوصيتها البحرية المتوسطيّة مدينة البحارة والمطاعم المختصّة بأكلات السمك وسيلة إشعاع سياحي ثقافي ترفيهي وتنموي». وعما ميز انطلاقة هذه السنة قالت:«انطلاقة مهرجان عيد السمك هذه السنة لم تختلف كثيرا عن ما سبقها من دورات من حيث التنظيم ونوعية الفقرات المبرمجة ولكن العودة في حدّ ذاتها تعتبر انجازا مهمّا تضافرت له كلّ الجهود أمام الوضع الأمني الهشّ في تونس رغم التحسّن الكبير في هذا الجانب»، وأضافت:»ان عودة عيد السمك والحضور الكبير للزوّار بمدينة حلق الوادي يوم 25 آب/اغسطس والإقبال على المطاعم بتخفيض لعلّه استجاب إلى إمكانات عامّة الشعب الماديّة، يؤكّد أنّ هذه التظاهرة ما زالت راسخة في ذاكرة المواطن التونسي وزوّار تونس وأنّها مناسبة لمقاومة مظاهر العنف والموت والإحباط التي تمرّ بها كلّ شعوب العالم وليس الشعب التونسي فقط».
ولفتت النظر إلى ان مهرجان عيد السمك بمدينة حلق الوادي الذي أشرفت عليه المندوبية الجهوية للثقافة في ولاية تونس بالتعاون مع معتمدية وبلدية حلق الوادي والحضور الكثيف لمواكبة عروض الشارع الفنيّة والتنشيطية بقطع النظر عن المستوى الفنّي للعروض، هو عمل أساسي ولابدّ من الاشتغال عليه وفق خصوصية كلّ مدينة. وأشارت إلى ان مدينة حلق الوادي تكسب الرهان. الرهان الأوّل هو العودة والاشتغال على الخصوصية البحرية والمتوسطية وقيمة البحر وما يمثله في يوميات البحّارة باعتباره مورد عيش وحياة. أما الرهان الثاني فهو رهان السّلم والحس الحضاري عند المواطن التونسي وإقباله على كلّ مظاهر الحياة الجمالية.
وفيما يخص المواعيد المقبلة أردفت عمامي بالقول:»أنّ هيئة مهرجان عيد السمك ستستعدّ إلى الدورة المقبلة بمشروع ثقافي سياحي يكون فيه التركيز على خصوصية الإرث الغذائي في هذه المدينة التي خصّص شارع من شوارعها (شارع روزفلت) للمطاعم والتنوّع من حيث أنواع الأكل التي تقدّمها ونوعية الإقبال عليها، نجد المطاعم الشعبية لذوي الدخل المحدود من عامة الشعب والأخرى المخصّصة لأصحاب المال».
ولفتت إلى ان التركيز أيضا على تنوّع المطبخ في مدينة حلق الوادي لأنّه يعكس ويفسّر التنوّع الثقافي والدّيني والّلقاء بين الحضارات وهو جزء من مكوّنات الهويّة التونسية ويدخل ضمن ذاكرة المدينة التراثية ولقاء سيكون أحد محاور الدورة المقبلة الأساسية لرقمنة تاريخ المدينة وعراقتها حتّى يكون المهرجان ثقافيا وسياحيا ومعرفيا يعرّف بالتراث اللامادّي والمادّي لمدينة تعتبر بوابة للمتوسط. وشددت على أهمية ان لا يسقط المهرجان في البعد الفولكلوري الاستهلاكي بل ان يكون مناسبة استقطاب سياحي وإشعاع دولي لمخزون المدينة الثقافي الحضاري.

مهرجان عيد السمك… موعد مع البحر والزمن الأصيل: «حلق الوادي» التونسية تعود إلى الحياة مجددا

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية