مهرجان «فوتوميد» الثالث يحتفي بالصورة الاسبانية: آلاف الصور للمتوسط وناسه وغياب لمآسي اللاجئين الغرقى

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: صور من الحياة في حوض البحر المتوسط شغلت ولا تزال أربع صالات في بيروت، في أكبر احتفالية بالصورة الفوتوغرافية. هو مهرجان «فوتوميد» الثالث الذي ينظمه بنك بيبلوس بالتعاون مع وزارة الثقافة اللبنانية. بين 23 كانون الثاني/يناير و10 شباط/فبراير كانت الصور المتنوعة الاهتمامات ومن دول حوض المتوسط موضوع جذب للجمهور إلى صالات المركز الرئيسي لبنك بيبلوس، فندق لو غراي في وسط بيروت، مركز بيروت للمعارض و»ستايشون» أو المحطة في مار مخايل، وأخرى توزعت على عدد من غاليريهات بيروت المتعاونة مع المهرجان. في دورته الثالثة كرّم المهرجان التصوير الفوتوغرافي الاسباني من خلال المبدعين طوني كتاني، الفارو سانشيز مونتانس ولويس فيوك. كما عرض مجموعة الممثل الاسباني غابينو دييغو. كتاني هو من المميزين جداً في هذا المعرض، حيث قدّم مجموعة من 40 صورة بالأبيض والأسود بعنوان «سجلات الظل». بعدسته يرسم كتاني لوحة زيتية قاتمة بظلالها. يلتقط تفاصيل الأجساد والأزهار والأمكنة، وظلالها التي تصبح وكأنها حياة ثانية. لمونتانس صلة مختلفة مع الصورة. يرغبها متداخلة بين تجسيد اللحظة البشرية وانحياز لافت إلى حس الكوميديا. وهذا ما يميز صورته. من صورته تنبثق مشاعر القدرة على تركيب مشهد متحرك، لكنها صورة.
أمام المجموعة التي اجتهد الممثل غابيو دييغو في اقتنائها ثمة ما يدعو لدراسة اجتماعية إنسانية لمرحلة مرّت، عمادها البشر. كما علمنا جمع دييغو بحدود 300 صورة أغلبها التقطت بعدسات اسبانية والأخرى من العالم. ظاهر بوضوح أن الناس يشكلون الجاذب الأول في اهتمام دييغو بجمع الصور. في طليعة ناسه النساء والأطفال، ومعهم نكون على تماس مع العادات والتقاليد في حوض المتوسط وغيره من دول العالم. وهذا ما يصنعه الناس بالطبع.
مصورون لبنانيون متعددون شاركوا في «فوتوميد» الثالث من بينهم السي حداد، ورندا ميرزا، وكريم صقر وغيرهم استقبلت صورهم غاليريهات تعاونت مع مهرجان «فوتوميد» كمثل غاليري تانت، وجانين ربيز وغيرهما. هم مصورون يظهرون مفارقات الحياة وتفاصيلها بخاصة في المدينة. لكن السي حداد راحت إلى فندق بوغوتا العتيق جداً في برلين والذي تقرر تحويله إلى مكاتب، بعدما فشل صاحبه في الحفاظ عليه. هذا الفندق استضاف عشرات الفنانين في العام 1920. كذلك احتله النازيون في الحرب العالمية الثانية وحولوه إلى مكاتب لحزبهم. حداد جسدت عبر عدستها لحظات النهاية، لحظات محو مرحلة للبدء بأخرى، وقبل شهر من التنفيذ. أما رندا ميرزا فمعرضها في «المحطة» حمل عنوان «بيروتوبيا». أرادت أن ترى بيروت في المستقبل، فراحت تتخيل. بخلافها أمعن كريم صقر الذي فاز بجائزة المهرجان للعام 2015 في واقعيته. لاحق بائع الكعك. والتقط لسائق التاكسي صورة هو يعاين جماله عبر مرآة سيارته الخارجية. يعرف كريم اقتناص اللحظة العفوية.
ادوار بوبا المصور الفرنسي (1923ـ 1999) يتقن فن تجسيد المشاعر، وفن تقديم ما يشبه الفيلم الوثائقي عن حياة الناس ومشاغلهم اليومية. في صوره يبدو عاشقاً للمتوسط أرضاً وناساً، وأميناً في تجسيد اللحظة. هي تقاليد صناعة الخبر، غسل الملابس، التنقل، الزواج، التعلُم، الزراعة والرعي وسوى ذلك، نعاينها من الجزر اليونانية، إلى تونس، المغرب، مصر، لبنان، اسبانيا وفرنسا. وبقي موضع تساؤل أن تحمل صور من فلسطين اسم الأردن؟ بوبا يجسد في صوره الأربعين في تظاهرة الصورة هذه الحياة في النصف الأول من القرن العشرين، بكل ما حفلت به من حروب كبرى، وفقر، وحياة ريفية تتشابه من اسبانيا إلى لبنان. لا شك أن بوبا محق بقوله: «حين يتنزّه المصور، يرى ما يراه الآخرون، ولكنّه يتوقّف ليسترسل في النظر».
لماذا يهتم بنك بيبلوس بفن الصورة؟ تقول مديرة الإعلام ندى طويل: لأن الفن يمثّل بالنسبة لنا، قوّة محرّكة تعزّز اللحمة الثقافية، وتوطّد الاستقرار الوطني. وكلّنا متّفقون أنّ لبنان بحاجة للفنّ لكي يتخطّى المِحن التي تعصف به. يسّرنا ويشرّفنا أن نطّلعَ، في إطار هذا المعرض، على الصور شبه الحيّة التي التقطها إدوار بوبا، الذي ألهم بمسيرته، ولا يزال يلهم، مصوّرين كثرا حول العالم. فيما أعرب رئيس «فوتوميد» لبنان فيليب هولان عن سروره لإقامة هذا المعرض، منوّهاً بالعمل الاستثنائيّ الذي قام به إدوار بوبا، الذي ساهم برأيه من خلال صوره في إقامة حوار بنّاء حول منطقة البحر الأبيض المتوسط. المدير الفني لـ»فوتوميد» لبنان غيوم دو سارد قرأ في منطقة البحر المتوسط خصوبة في الخيال والصور وقال: هي تمثل ألف شيء وشيء. وصورة ادوار بوابا ليست منظراً طبيعياً ولكنها عدد غير محدود من المناظر. والمتوسط ليس بحراً واحداً، إنّما هو سلسلة بحار. وهو ليس حضارة واحدة، إنّما مجموعة من الحضارات. وقد أظهر بوبا ذلك من خلال إحساسٍ مرهف بالآخر وبالمكان البعيد. وهذه سمة تميّز كبار الرّحالة. وصور بوبا لمنطقة البحر الأبيض المتوسط، ولو كانت بالأبيض والأسود، فهي خلابة تدغدغ الحواس.
للمنظمين والمعدين في مهرجان «فوتوميد» 2016 جهدهم المشكور الذي ترك لجمهور لبناني واسع شغوف بالصورة أن يعاين بدقة مراحل متعاقبة، وأماكن متعددة من هذا البحر الذي شغل الناس وقيل أنه أصل الحياة وأصل الحرف، لكن لماذا غاب أو تمّ تغييب أنه أصبح مقبرة لناسه؟ فكم من البشر الهاربين من ظلم الحياة وقسوة الحروب الكونية على أراضيهم لفظوا أنفاسهم في مياهه في سنة 2016 ولا نقول ما قبلها؟ ولهؤلاء كانت صور مبكية تُعبر عن مآسي العصر وحروبه في سوريا، فلسطين وليبيا. وكذلك من المغرب العربي الغارق في فقره.
وللمفارقة فإن «فوتوميد» 2016 افتتح مع مغادرة المصورة ليلى العلوي الحياة بعد معاناة طويلة مع جروحها التي اصيبت بها اثر هجوم لتنظيم القاعدة على بوركينا فاسو. المصورة المغربية- الفرنسية التي هي عضو في «فوتوميد» اختارت لبنان للسكن. كانت في مهمة تصوير لمنظمة العفو الدولية عندما أطلق عليها الإرهابي خمس رصاصات، وقاومت من أجل الحياة لأسابيع، لكن الموت انتصر وانقصف عمر صبية نشيطة. العلوي كانت من المحتفى بهم في دورة المرجان الثانية، حضرت صورتها مع باقة من الورود البيضاء في دورته الثالثة، وفي كافة الصالات التي توزعت عليها آلاف الصور. في نتائج مسابقة «فوتوميد» 2016 فاز بلال طربيه بالجائزة الأولى حاصداً فرصة عرض أعماله في إطار النسخة المقبلة من المهرجان في ايار/مايو المقبل في سناري في فرنسا. وبتأثر عبّر طربيه بعد فوزه، قائلاً إن المجموعة التي عرضها تميزت بنفحة شخصية جداً «ولم أتوقع الفوز. أشعر بفخر لأني سأمثل لبنان في فرنسا ضمن مهرجان فوتوميد».
لما مطر فازت بالجائزة الثانية وهذا ما سيتيح لها فرصة عرض أعمالها في الفصل الثاني من العام الحالي في صالة العرض الخاصة في المركز الثقافي الفرنسي. وهي رأت في الجائزة «فرصة جميلة أنطلق عبرها في هذه المغامرة الفنية».

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية