مهرجان «مينار» السينمائي في صوفيا ظلال الثورة السورية

حجم الخط
0

في الشهر الأول من بداية كل سنة يُقام مهرجان «مينار» السينمائي في العاصمة البلغارية صوفيا، تسميته هي الحروف الأولى من اسمه بالإنكليزية Middle East and North Africa Region.
وقدلايكون المهرجان واحدا من المهرجانات الأوربية ذائعةا لصيت، لكنه بتمحّوره حول أفلام الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، استطاع ان يجعل من عروضه مرآة للقضايا الإشكالية والمناطق الساخنة في العالم الإسلامي، منذانطلاقتهالأولىفيعام2009، وبذلك رسم لنفسه هويته الخاصة، التي ميزته عن أمثاله في دول البلقان.
في دورته السابعة لهذا العام، التي انعقدت بمشاركة 20 دولة، افتتح «مينار» فعالياته بالفيلم الفلسطيني «عمر»، وقدّم ضمن برنامجه 56 عرضا، تم إنتاج معظمها خلال العامين الفائتين، أغلبها من الأفلام الروائية والتسجيلية الطويلة، وستة عشر فيلما قصيرا ومتوسط الطول، تم اختيارها من أصل 3500 فيلم، تقدموا للمشاركة في المهرجان.
شاركت أندونيسيا بفيلمين: «12 دقيقة» لهاني سابوترا، و»سوغيا» لغارين هوغروهو، وتركيا بفيلم «لا تبحث عن نواقصي» لرامين ماتين، ومن طاجاكستان «تصفية» لشروفات أرابوبا. وكان لإيران نصيب الأسد من عروض الأفلام الطويلة هذا العام، حيث تقدّمت بفيلمين روائيين: «مرادي» و»فندق خمس نجوم»، وفيلمين وثائقيين «الجد اسماعيل» و»ممنوع على الرجال»، إضافة إلى ستة أفلام عُرضت في إطار تظاهرة «السينما الإيرانية المستقلة»، منها «مثل الآخرين» و»السمكة والقطة»، والعروض كشفت الكثير من الجوانب السلبية في المجتمع الإيراني، بدءا من غياب الحريات العامة، إلى الفقر والفصل التعسفي بين النساء والرجال.
حضرت الدول الأوربية في المهرجان مع خمسة أفلام، اندرجت في إطار تظاهرة «قافلة سَراي»، منها: الفيلم الفرنسي «الخطوة السادسة من الرحلة» لنيكولا غانس، والألماني «غدا سنكون في مكان آخر» لدانييل بينتس. كما عكس الحضور الغربي نفسه في إطار الأفلام ذات الإنتاج المشترك، من قبيل: «وداعا كارمن» لمحمد أمين بن عمراوي (المغرب- بلجيكا)، «السقوط من الجنة» لفريد كاراخان (تركيا- إيطاليا)، «النبي» عن جبران خليل جبران للمخرج غاري تارن (إيطاليا- انكلترا- لبنان- الولايات المتحدة- صربيا)، «ايقاع الشرق» لمات ستوينهاوس (تركيا- سوريا- الأردن- اليونان)، و»أن نتصالح بعد الزواج» لبيدر وغازي البوليفي (الولايات المتحدة- إسرائيل- الأردن).
جاءت المشاركة العربية من لبنان مع الفيلم الروائي «به به» لإيلي حبيب (116د، 2013)، ويطرح قضية استغلال المعوقين عقليا وصفقات الأدوية الفاسدة. من فلسطين «عمر» لهاني أبوأسعد (روائي96د،2013) يتناول المقاومة الفلسطينية وأساليب الضغط على الشبان الفلسطينيين من اجل التعامل مع المخابرات الإسرائيلية، و»سجل انا عربي» لابتسام مراعنة منوحين (وثائقي73د،2014) يتمحور حول سيرة الشاعر محمود درويش، وعلاقته العاطفية بامرأة يهودية وأخرى سورية. من مصر «الغرفة مع الفئران» لهند بكرومية زايد (روائي85د،2013). من المغرب «العميل صفر» لنور الدين الأحمدي (روائي110د،2012)، و»ليل نهار» لنوفل بروين (95د،2013). ومن العراق «همسات المدن» لقاسم عبد (وثائقي62د،2013).
الثورة السورية ألقت بظلالها على يوميات المهرجان، وأثارت اهتمام جمهوره، عبر فيلمين من إنتاجات العام الفائت، الأول روائي بعنوان «الطريق إلى حلب» (84د) من سيناريو وإخراج شيار عبدي، والثاني وثائقي بعنوان «خطوط حمراء» (99د) من سيناريو وإخراج اندريا كالين وأوليفر لوكش، إنتاج شركة «سبارك ميديا».
«الطريق إلى حلب» هو كناية عن درب الجلّجلة، الذي يقطعه المدنيون السوريون أثناء بحثهم المضني عن حيواتهم الضائعة، مرة تحت بسطار الاستبداد، وأخرى في ظل االصراع الدموي ما بين جيش النظام والكتائب المعارضة المسلحة منذ أربعة أعوام. ويبدأ الدرب من شاب كوردي سوري (روني شامليان) كان يحمل الجنسية الألمانية، ويعمل في أحد مشافي برلين، قبل أن يكتشف أن أمه التي يعتقد أنها توفيت، كانت مختفية في سجون البعث، ولا تزال على قيد الحياة، وتعيش في حلب.
يدخل روني بلده، متسللا عبر الحدود التركية، لأنه لا يملك جواز السفر السوري، ويصل كوباني، ومنها يسلك طريق حلب للبحث عن والدته، وفي الحافلة يتعرف بالناشطة الإعلامية نورا (ريام إبراهيم)، التي تعده بمساعدته، ومعها يُهان على حواجز المعارضة المسلّحة، ويشهد المجازر الميدانية، ويدخل معتقلات النظام، وحين يلتقي بأمه ترديه رصاصة القنّاص. لكن المخرج عبدي اكتفى بالإشارات السريعة للدلالة على هذه البشاعة الصارخة والعنف الأعمى، وترك لعدسته حرية الغوص في دواخل البيئة وشخصيات الفيلم، وجميعهم من الممثلين الهواة، الذين تمكنوا بفضل إدارته الجيدة، أن يقوموا بأدوارهم على قدر كبير من التلقائية والحساسية الفنية.
على خلاف الفيلم السابق يتخذ «خطوط حمراء» من تجربة الناشطيّن معاذ مصطفى ورزان شلب الشام، منطلقا لتصوير وحشية النظام السوري، وصمت المجتمع الدولي على جرائمه، حتى بعد تجاوزه الخط الأحمر باستخدامه الأسلحة الكيميائية المحرّمة. وتتألف بنية الفيلم من حوار أجري مع الناشطين، ومن مشاهد التُقطت لهما أثناء عملهما داخل سوريا وخارجها، كما يعتمد على الكثير من مقاطع الفيديو المنشورة على اليوتيوب، وعلى مقاطع من أرشيف البرامج الإخبارية المتلفزة، التي تتوقف عند تصريحات الساسة الغربيين إزاء «الأزمة السورية» بمن فيهم الرئيس الأمريكي أوباما.
من حديث معاذ يتضح أنه شاب فلسطيني، وٌلد في مخيم اليرموك بدمشق، وذاق طعم الفقر في طفولته، حصل على شهادته الجامعية في واشنطن، وعمل في مركز دراسات الشرق الأوسط، وحين انطلقت الثورة السورية، أصبح المدير التنفيذي لـ «مجموعة العمل الإغاثي» وانشغل بتأسيس شبكة من المتطوعين داخل سوريا، كما لعب دور الوسيط ما بين «الجيش الحر» والمسؤولين الغربيين.
أما رزان فهي شابة سورية، في السابعة والعشرين من عمرها، تنحدر من عائلة حمصية ثرية، تحمل شهادة جامعية، وتتقن اللغة الإنكليزية. مع بداية الثورة عملت في حقل الإعلام، ثم تعرفت بمعاذ، وانضمت إلى مجموعته، نزحت مع أهلها إلى تركياً، وأدارت مكتبا للإغاثة في مدينة انطاكيا، ونشطت ما بين القرية الحدودية خربة الجوز غرباً ومدينة تل ابيض شرقاً، وبجهدها كسبت ثقة الناس، وعملت لصالح الائتلاف الوطني لفترة من الزمن، حضرت الكثير من الاجتماعات في مصر واسطنبول، وأقامت دورة تدريبية للنساء السوريات، لتعليمهنّ أصول الاقتراع، كما سافرت لزيارة الولايات المتحدة الأميركية.
تقاطع الحوار الذي أجري في الاستوديو، مع المشاهد الخارجية على جبهات القتال، وساحة العمل الطوعي السلمي، التي تابعت الناشطيّن أثناء عملهما على إدخال المساعدات الإنسانية إلى المناطق المنكوبة، أو التوسط لإبرام صفقات الأسلحة لصالح الجيش الحر، أو السعي لإنشاء نواة مجتمع مدني ديمقراطي، على أرض تغطيها الدماء، وتعمها الفوضى. بينما رصدت مقاطع الفيديو والأرشيف جرائم النظام، وتلكأ الساسة الغربيين عن تقديم العون للثوار بحجة التطرف الإسلامي، على الرغم من وجود الكثير من المعتدلين، الذين بادروا لفتح الجسور مع الغرب، وتم استبعادهم، وانتهى الفيلم باستيلاء «داعش» على محكمة مدنية، كان النشطاء قد أسسوها في الشمال السوري.

تهامة الجندي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية