معركة الفلوجة كطوق نجاة للأحزاب الشيعية المتنازعة في العراق، بعد أن وصلت خلافاتها أو كادت لاقتتال دموي، خصوصا بعد تكرر استفزازات الصدريين لحزبي الدعوة والمجلس الأعل،ى وتهجمه على رموز هذين التيارين اللذين يحتكران المواقع السيادية الأبرز في حكومة بغداد.
لكن نجحت القيادة الايرانية بلجم هذه التجاذبات، وحدت من تأثيراتها وانعكاساتها على تماسك الحكومة، قبل أن تأتي معركة الفلوجة لتجمد معظم مظاهر العداء والتوتر بين الأطراف الحزبية الشيعية، التي انشغلت عن خلافاتها وتوحدت في خطاب انتقامي ثأري ضد الفلوجة.
وهكذا فإن هذه المعركة شكلت فرصة للحد من التوترات البينية، ولا نقول إن سببها هو فقط للحد من هذه التوترات، فهي امتداد لعمليات إبعاد تنظيم «الدولة» من الخواصر الرخوة المحيطة بالعاصمة بغداد.
ولكن هناك من يطرح تساؤلات ملحة عن مدى قدرة القوى السياسية الشيعية على إدارة الدولة توافقيا بعيدا عن الإشراف الإيراني المباشر، وبعيدا عن معارك توحدهم وتؤجل خلافاتهم، كتلك الجارية الان مع تنظيم «الدولة»..
الحقيقة أن هناك من يعتقد أن القوى الشيعية العراقية والعربية عمــــوما من البحــــرين ولبنان حتى العراق، لا تختلف كثيرا عن القــــوى الإسلامية السنية والفصائل المسلحة، من ناحية شدة التــــباغض في ما بينــها وتنافسها المـــرير على السلــــطة، ولكن ما جمـــع الأولى هو القيادة الايرانـــية الصارمة، التي تحمل رؤية ومشروعا محددا لكيانها الشيعي في المنطقة.
فالقوى السنية المسلحة، سواء في أفغانستان أو سوريا أو العراق أو حتى في اليمن، كانت على الدوام مقتتلة في ما بينها. بصورة دموية، بسبب عدم وجود مرجعية قيادية لها، ولعل أكثر المواجهات حدة سياسيا وعسكريا كانت تدور بين صفوف العائلة الإسلامية بل الجهادية، أو السلفية نفسها، كما يحدث بين النصرة وتنظيم «الدولة» في سوريا، وكما حدث بين تنظيم «القاعدة» وفصائل سلفية في العراق، وقبله النزاع الدموي بين طالبان والفصائل الأفغانية، بينما في الحالة الشيعية كان هناك ما يمكن أن نطلق عليه «مايسترو»، وهي القيادة الايرانية التي تدير الخلاف الداخلي وتلجمه عند حدود معينة لا تعطل المسيرة، بل أحيانا يشبه الدور الايراني دور الاب الكبير الذي يترك أولاده المشاكسين يتعاركون ويعبثون حتى يستشعر خطرا من هذا العراك فيؤشر لهم بيده فقط « كفى أيها الاطفال المشاغبون»!
فمن دون الدور الايراني لما كان للمشروع الشيعي في المنطقة أن يجد من يقوده بهذا الزخم والتنظيم والإدارة، فهو اذن مشروع يــــدار بعقـــــل إيراني وليس عربيا، وإن كان حلفاؤه عربا لكنهم لم يكونوا يوما قادة لهذا المشروع المناكف لدول العرب السنة، وكان العنصر غير العربي هو القائد دوما لهذا المشروع من أيام البويهيين حتى الصفويين وصولا لإيران اليوم.
بالمقابل، وأمام «المايسترو الايراني» ليس هناك «مايسترو عربي».. كل الدول العربية السنية لا تفكر حتى أن تقــــوم بدور المايســــترو، لانها لا تملك مشروعا عربيا أو إسلاميا في المنطقة، بل هي كيانات قطرية منشغلة بتثبيت سلطتها، وكل سياسيتها الخارجية مرتبطة بالسياسية الامريكية، أو من ينوب عنها من القوى المهيمنة، التي تمنح لهذه الدول حق التصرف باقطاعاتها الخاصة مقابل الحفاظ على زعاماتها وتنفيذ السياسة الخارجية الغربية بحذافيرها.
وفي غياب أي دولة عربية تقوم بدور القائد في مواجهة ايران، فإن تنظيمات جهادية كالدولة الاسلامية استغلت هذا الفراغ وحاولت القيام بهذا الدور، ولذلك اطلقت على نفسها اسم «الدولة» في محاولة لملء هــــــذا الفراغ الحاد والخلل العميق في فوضى الكيانات السنية، وهيــ وإن فقدت أراضي أو انحسرت كتنظيمات ستــــبقى تتمـــدد وإن على صعيد الفكرة، ما دام الانهيار الرسمي العربي باقيا ويتمدد.
وهكذا فإن غياب «دولة قائدة» للعرب في هذا الزمن الإيراني الآخذ في الاتساع والهيمنة يوما بعد يوم، سيزيد أولا من حـــــدة انقسامات الفصــــائل المسلحة والقوى السياسية العربية المتفــــرقة، التي لا يبـــدو أن شــــيئا سيجمعها يوما ســــوى الـــتوحد بالقــــوة، كما دأب التاريخ يخبرنا، أو أنها ستندثر في مواجهة الصعود الايراني المتنامي في الشرق الاوسط، الذي يتواصل بوتيرة عالية منذ سقوط بغداد، ولا يبدو انه يتراجع حتى اليوم، بعد استحواذ فصائل ايران المنضبطة على معظم عواصم الشرق الاوسط.
٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
وائل عصام