اليهود هم الشيء وعكسه، هم أبناء دول متعددة، لكن ليس لهم ارض أجداد، وقد تبنوا بشكل كامل الخطوط العامة للشعوب الذين يعيشون معهم، لكنهم غير مستعدين للاندماج بهم. لقد فقدوا منذ زمن علامات ومقومات القومية الحية، لكنهم يستمرون في كونهم شعب «غير موحد في جسم له اعضاء»، ولم يعد حي. ومع ذلك يتحرك بين الأحياء. اليهود هم شعب ليس شعبا، أمة علامتها الفارقة في هذا الوقت العصري هي التشويش الدائم على صورتها القومية والحدود الاجتماعية والثقافية بينها وبين العالم الغير يهودي.
هذه ليست أقوال لاسامية، بل هي ملخص تحليل «المسألة اليهودية» الذي طرحه الكاتب اليهودي لايف فينسكار في عام 1882، وهو أحد واضعي أسس التفكير الصهيوني السياسي، وقد رأى تجربة اليهود كشعب بدون حدود، وبعده هرتسل وغيره، كسبب رئيس ومركزي للاسامية. اقامة الوطن القومي لليهود الذي تعترف به أسرة الشعوب، هدفها ازالة هذا السبب، وبالتالي وضع حد للاسامية وفتح الطريق أمام الشعب اليهودي للاندماج في أسرة الشعوب.
في الوقت الحالي يمكن القول عن دولة اسرائيل ـ التي هي نتاج تحقق الصهيونية السياسية فعليا ـ ما قاله فينسكار ورجال الصهيونية السياسية في بداية اليهودية في الشتات، بكل ما يخص الطابع غير المحدد لتجربتها وهويتها. إذا اسرائيل هي الشيء وعكسه: دولة سيادية لكنها منذ خمسين عاما تعيش بدون حدود سياسية معروفة، وتحطم سيادتها وتحولها إلى بؤر في قلب سكان غرباء، وبهذا تتسبب بزعزعة شرعيتها.
إنها دولة ديمقراطية ببضع مقاييس ومفاهيم، لكنها الوحيدة من بين الدول الديمقراطية في العالم التي تسيطر عسكريا على شعب آخر، وتحرمه من حقوقه المدنية ومن حريته الوطنية. وهي دولة أقيمت على يد الضعيف والمطارد منذ آلاف السنين، لهذا لا يمكن تخيل قيامها بمعزل عن أسس القانون الدولي الذي يعترف بالمساواة في الحقوق وفي تقرير المصير. لكن بسبب كونها آخر الكولونياليات في العالم، فانها تخترق مرة تلو الاخرى القانون الدولي الذي قامت بفضله. من هنا فان اسرائيل هي دولة ليست دولة، دولة العلامة الوحيدة الفارقة لها هي انهيار مفاهيم السيادة وتقرير المصير والحدود السياسية.
لا يجب الغاء ادعاءات اسرائيل التي تصور الحملة الحالية المناهضة لها، والآخذة في الاتساع في المجتمع الدولي على ضوء استمرار كولنياليتها، هذه الادعاءات التي تتحدث عن تناسخ اللاسامية. ومثلما نشأت السامية في عهد فينسكار وهرتسل على أثر الخطوة الفاشلة للاندماج في المجتمع العصري كشعب حدود الاجتماعية ـ الثقافية غير واضحة، ايضا فان معاداة الاسرائيلية في الوقت الحالي نشأت على خلفية الخطوة الفاشلة للاندماج في المجتمع الدولي كدولة حدودها السياسية غير معروفة، وهويتها السياسية منقسمة بين دولة شرعية وبين حركة استيطانية غير شرعية وبين ديمقراطية وكولونيالية.
من الخطأ أن يطمس هذا التشابه بين «المسألة اليهودية» قبل أكثر من مئة عام وبين الازمة الشرعية لدولة اسرائيل في الوقت الحالي، أن يطمس الفرق الجوهري بين الحالتين فيما يتعلق بالمسؤولية عن خلق المشكلة، مسؤولية عدم اندماج الاقليات اليهودية في المجتمعات الاوروبية تقع على الدول الاوروبية التي لم تنجح في التحدي ولم تطور هوية مدنية شاملة تقبل الاقليات «الاخرى» ذات الهوية الجماعية المركبة. وفي المقابل فان مسؤولية الفشل الدائم لمحاولة اسرائيل أن تكون جزء من أسرة الشعوب السيادية، تقع فقط على عاتق اسرائيل. فاسرائيل كدولة سيادية هي التي تختار مرة تلو الاخرى أن تكون كيانا كولونياليا وتواصل تحقير واستعباد الشعب الفلسطيني.
السخرية المريرة هي أن الدولة حسب الحلم الصهيوني، التي كان يفترض أن تساعد اليهود، حسب فينسكار، على الدخول إلى أسرة الشعوب بطريقة تلغي المسألة اليهودية كليا، ليس فقط أنها لم تحقق هذا الهدف بل على العكس، فهي بسلوكها عكست فشل القومية اليهودية في محاولتها العصرية أن تكون جزءً من أسرة الشعوب.
يمكن اعتبار ذلك مقدمة للأمل. من الخطأ القول إننا نعيش مرحلة ما بعد الصهيونية، العكس هو الصحيح، الصهيونية كحركة من اجل دمج اليهود سياسيا مع العالم العصري لم تنه مهمتها بعد، ولكن يمكن القول إنها لم تأخذ بعد على عاتقها هذه المهمة الحيوية بالجدية المطلوبة. هناك طريقة واحدة فقط لفعل ذلك: حرب لا هوادة فيها ضد الاحتلال والمستوطنات، التي تشوه اسرائيل السيادية.
هآرتس 9/7/2015
دمتري شومسكي