مهنة الأدب والفقر في بلادنا

في أيام المدرسة أذكر معلِّمنا الأديب الشاعر، خفيف الدم، لاذع التعليقات، على كل شيء تقريباً، ينثر علينا النصائح عن مستقبلنا وما نريد أن نعمل في حياتنا لمصلحتنا ومصلحة الوطن. مرة قال لنا ناصحاً بمرارة: لا تقربوا العمل في مجال الثقافة والأدب، لأن ظهور «شكوكو» على المسرح لنصف ساعة يغدق عليه من المال ثلاث مرات أكثر مما يحصل عليه أديب أو صحافي أو شاعر في ثلاثة شهور. كانت ردة فعلنا المباشرة ضحكات جلجلت في غرفة الصف، وفاضت على ممرات المدرسة والصفوف الأخرى، التي كانت تعرف: هذا معلم العربية!
هل كان معلِّمنا يريد لنا أن نتبع مسيرة المونولوجست المهرج، مهنة في الحياة؟ بقيت هذه «النصيحة» وأمثالها في أذهاننا الصغيرة، دون أن نهتدي إلى جواب عنها أو تفسيراً «منطقياً» لها أكثر من كونها مزاحاً ودُعابة.
وفي أيام الشباب، كنتُ بين زملاء «نتعاطى» مهنة الأدب في التدريس الجامعي، والكتابة في الصحف، وتقديم الأنشطة الأدبية على التلفزيون عند ظهوره في أواسط الخمسينات. لم تكن «المكافآت» مجزية في كل ذلك، ولكنه نوع من «نزق» الشباب. أذكر ما رواه لي «المرحوم» الشاعر الكبير سليمان أحمد العيسى، أحد القلائل من «طلاب البعثات العربية» وهم من شباب الإسكندرونة، حملة الجنسية السورية. كان يُدفع لهؤلاء الطلبة ثلاثة دنانير شهرياً «مصرف جيب» وهم يعيشون مثلنا في القسم الداخلي» آكل، شارب، نايم». قال: في أواخر أحد الأشهر «عَضّني الفقر بنابِه/ليتَ ما حلّ بنا بِه». ففكر مع زميل أن يذهب إلى «دار الإذاعة» بحثا عن عمل مسائي، يجلب له «كم قرش». لكن مدير الإذاعة ردَّه ردَّاً غير كريم، بعبارة غير لائقة. وكانت النتيجة قصيدة طويلة بعنوان «شاعر في الاذاعة» نُشرت لاحقاً في كتاب صغير الحجم. يقول فيها بحسرة: «معنا خمسة وخمسون فلساً». لكن المسؤول المتكرش أجاب بما نظمه الشاعر بعبارة «ليس في الدار مَربطٌ لزُمالٍ/لا ولا بقعة بغير امتلاء» قال ذلك بعد «ماكو شاغر». يا ترى لو كان طالب العمل «فنّانة» من رهط عقد الأربعينات والخمسينات، أما كانت لتحظى بأكثر مما حظي به «شكوكو» بنصف ساعته… الفنية؟!
وشبيه بهذا ما رواه لي زميل. قال: وجدنا أن إحدى «الحنفيات» في مطبخ الدار، الذي انتهينا من بنائه للتوّ، تسرِّب الماء باستمرار ولم نستطع علاجها. فطلبتُ عامل صيانة في محلِّه الذي يبعد عن دارنا بثلثمئة متر، على الشارع العام. فجاءنا بعد انتظار وفكَّ الحنفية بخبرة العارف، وغيَّر حلقة المطاط «الواشر» ووضع واحدة بدلها، بمدة لم تتجاوز بضعة دقائق .»كم تأمر»؟ «نحن جيران: أربعة دنانير». قال: صُعقتُ فقلتُ لهذا الخبير الخطير: أربعة دنانير، لأربع دقائق عمل؟ أنا أستاذ جامعي يُدفع لي ديناران على محاضرة في الفيزياء مدتها ساعة كاملة. وأنت تطلب أربعة دنانير لأربع دقائق عمل يدوي؟ كان الجواب. هذا عمل تخصص «ليش ضيَّعت مستقبلك وصرت أستاذ جامعة»؟
وحكايات الأدباء وشظف العيش، والشعراء منهم بخاصة، هي من المألوف المسكوت عنه في الغالب، على مذهب «وإذا بُليتمُ فاستتروا». يروى عن الشاعر المصري حافظ ابراهيم أحاديث عن «ضيق ذات اليد» بالمقارنة مع أحمد شوقي، ربيب القصور. كان حافظ يدعى إلى المناسبات الرسمية، وكان يأتي مرتدياً البدلة نفسها التي أكل الدهر عليها ولم يشرب. مرة ساله أحد الباشوات: نراك بالبدلة نفسها دائماً. فتحركت النكتة المصرية وأجاب على الفور: «لأن هذه البدلة فيها صفتان من صفة الله: الوحدانية والقِدَم!».
أما شاعر العراق الالمع: بدر شاكر السياب، فحكاياته مع الفقر والتشرد معروفة لكل المعنيين بالشعر الحديث. كان طوال حياته غير الطويلة يشكو الفقر. وكان لشاعر مثله أن ينال مردوداً محترماً عن نشر قصائده. ولكني أعرف أنه كان ينتظر مبلغاً يناسب نشر أكبر دواوينه «أنشودة المطر». غير أن الناشر الكريم لم يتكرّم بشيء الا بعد تدخل أديب كبير لإطلاق «الصَدَقة» الواجبة لهذا الشاعر غير الشحاذ. وما أكثر الشعراء الشحاذين في تراثنا الشعري! هذا شاعر من وزن أبي نواس يصيح: ذَريني أكثِّر حاسديكِ برحلةٍ/إلى بلد فيه الخصيب أميرُ! ما الذي كان ينقص أبا نواس وهو في بلاط الرشيد؟ وبعض الشعراء يجدون في الشعر وصولية ذميمة، تنقلب على صاحبها أحيانا، كما حدث لابن هاني الاندلسي الذي مدح المعز لدين الله الفاطمي بتلك القصيدة/المصيبة: ما شئتَ لا ما شاءت الأقدار/ فاحكم فأنت الواحد القهار! ما الذي كان ينقص ابن هاني من مال وجاه حتى سقط تلك السقطة الكبرى فكان جزاؤه خمسمئة جلدة وطرداً من الأندلس؟ وفي أيامنا هذه نجد صحافياً مغموراً يحاول التقرُّب من حاكم فرض نفسه على البلاد، فجاء هذا «الزَّحفَطون» أي من «الزاحفين على البطون» ليخاطب هذا الحاكم بقصيدة ابن هاني: ما شئت لا ما شاءت الأقدار… ولكن يبدو أن هذا المغمور لا يخشى خمسمئة جلدة، لان الحاكم يعجبه ما سمع.
والتكسُّب بالشعر ظاهرة معروفة في تراثنا، وهو أمر مخجل، لا أعرف له مثيلاً في «العالم المتحضِّر». ولا يعرف أغلب الناشرين في بلادنا العربية شيئاً اسمه حقوق المؤلف، وبخاصة الشعراء. فترى أغلب الناشرين يكثرون من التذمُّر أن «الشعر لا يبيع»، بمعنى أن الشاعر يجب ألا يتوقع الحصول على نسبة من المبيعات لديوان يَنشره، أما لو أعيدت طباعة الديوان الشعري عدة مرات، فهذا مما يزيد غموض نسبة المردود وحصة الشاعر أو الأديب من المبيعات. لكن الأمر مختلف في دول العالم المتحضر. فهناك عقود ونسب من المبيعات للمؤلف، أديبا أو شاعراً أو كاتباً من اي نوع. تذكر صحف أوروبا وأمريكا أن الكاتب الفلاني طُبع كتابه عدداً من المرات بما مجموعه كذا نسخة، وحصته من نسبة المبيعات بهذا القدر أو ذاك حسب العقد. وقرأتُ مؤخراً أن أديباً «من بلاد بره» بلغ عدد المطبوع من كتاب له ثمانين مليون نسخة. فياترى لو كان نصيب المؤلف دولاراً واحداً عن كل نسخة، فهل يحلم أي كاتب عربي بحصوله على ثمانين مليون دولار عن كتاب له؟ على فرض وجود ثمانين مليون قارئ عربي!
الأديب ـ الشاعر في بلادنا العربية مسكين، يعاني من شظف العيش إلا إذا كان موظفاً في جريدة أو مؤسسة «دَفَعاي» وليست «قَبَضاي» لأن كثيراً من الناشرين في بلادنا في السنوات الأخيرة صاروا يطلبون من الأديب ـ الشاعر أن «يدفع» للناشر لقاء نشر كتاب له. كان من بعض نتائج هذا كثرة من «ناشئة الأدباء» الذين يريدون الظهور على الساحة الأدبية، ولا يعنيهم ان «يدفعوا» لقاء هذا الظهور. أما الأديب ـ الشاعر الأصيل، الذي لا يستطيع، أو يأبى، أن يدفع للناشر لقاء نشر كتابه فهو ما يزال في عوز لما يتقي به «غائلة الفقر»! ما معنى: غائلة الفقر؟
أعرف عدداً من الزملاء من أصول عربية، يعملون اساتذة في جامعات أوروبية وأمريكية، ومؤخراً كندية. كان هؤلاء يعانون من «شظف العيش» في جامعاتهم العربية، فتمكنوا من الهجرة إلى «بلاد الكفار» حيث وجدوا ما لم يجدوه في بلادهم من «بحبوحة» في العيش.. «في ظل أمن وغِبطة/وعيش ٍكنوّار الخميلة ناعِم». وصل هؤلاء إلى مراكز مرموقة في بلادٍ غير بلادهم، وظلوا يتحرّقون للعودة «لخدمة بلادهم» . لكن الصحف تنشر أخباراً عن خيبة بعض هؤلاء عندما حاولوا العودة، أو عادوا ليجدوا «مسؤولاً كبيراً» ينصحهم بالرجوع ﺇلى حيث كانوا!
أغلب هؤلاء «المغتربين» يملك داراً في المدينة حيث يعمل، وداراً ثانية في «الجبل» أو «على الشاطئ» لقضاء العطلة صيفاً أو شتاءً.
عرفتُ أستاذاً في جامعة ألمانية عريقة يمتلك قطعة أرض في منطقة زراعية، يذهب اليها مع أسرته، لكي «يمارس» زراعة الخضار والزهور والتمتع بالطبيعة «الساحرة» في العطل والإجازات، شأنه شأن كثيرين من زملائه الألمان. أيّ نعيم وترفيه صحي هذا الذي يوفِّره هذا النظام في «بلاد تركب الأفيال» لا عهد لنا به في بلادنا!
مرة، أيام الخير، كنتُ في رحلة صيف ﺇلى أوروبا، فتوقفتُ في جنيف وقلتُ أتصل بالهاتف بزميل عربي يدرّس في الجامعة. فرح الزميل، بمكالمتي وسرعان ما عبر عن أسفه لعدم استطاعته لقائي ذلك اليوم لأنه سيغادر جنيف ﺇلى «داره في الجبل» طلباً للراحة من عناء الحياة اليومية والعمل في أجواء المدينة السويسرية!
كم من الاساتذة والأدباء والشعراء العرب يستطيع أن يرتاح في داره الثانية في الجبل أو عند الشاطئ ليغيِّر من رتابة الحياة والعمل في «بلاد العرب أوطاني»؟

مهنة الأدب والفقر في بلادنا

عبد الواحد لؤلؤة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية