الرباط – «القدس العربي»: ضربت هزة أرضية مساء الخميس، إقليم الحسيمة، مما خلق حالة من الخوف والهلع وسط سكان المدينة التي كانت في حالة حداد واحتجاج على الاحكام الصادرة ضد قادة حراك الريف، إسوة باحتجاجات يعيشها عدد من المدن المغربية منذ صدور الاحكام يوم الثلاثاء الماضي والتي ترواحت بين الـ20 سنة والـ3 سنوات سجناً نافذاً بحق 53 معتقلا.
وإذا كانت الهزة، التي ذكرت الاقليم بزلزال 2004 المدمر، لم تسفر عن خسائر مادية وبشرية، فغن الاحتجاجات والحداد على الاحكام، أسفرت عن مواجهات مع رجال الامن واعتقالات لم يعرف حجمها وهل ستتم إحالة المعتقلين على قاضي التحقيق أم سيطلق سراحهم.
وانطلقت حملة اعتقالات في صفوف نشطاء الحراك في الريف، بعد خروجهم من جديد للتعبير عن غضبهم، ورفضهم للأحكام الصادرة، يوم الثلاثاء الماضي، في حق رفاقهم معتقلي الحراك الشعبي في الحسيمة، والتي أدينوا فيها بأزيد من 300 سنة سجنا.
وعرفت بلدة بوكيدان، التابعة لإقليم الحسيمة، مواجهات عنيفة بين نشطاء الحراك، والقوات العمومية، استعمل فيها التراشق بالحجارة، وأصيب على إثرها الطرفان بجروح بليغة، نقل بعضهم إلى المستشفى في الحسيمة. وقال شهود عيان ان أكثر من 18 عنصراً من قوات الامن أصيبوا إثر هذه المواجهات، بعد مظاهرة شارك فيها الغاضبون، والرافضون للأحكام من أبناء الريف، مطالبين بالتراجع عنها، وإطلاق سراح المعتقلين.
اشتباكات واعتقالات
وطاولت اعتقالات أخرى نشطاء الحراك، بينهم قاصرون بكل من إمزورن، والحسيمة، إلا أنه لم يكشف بعد عددهم، ولا أسباب اعتقالهم. وتروج في شوارع الحسيمة، ومقاهيها، ووسط نشطاء الحراك، أحاديث عن اعتقال بعض الشباب من قبيل «نبيل الكرودي، وخالد الروبيو»، وآخرون، بينهم قاصرون، أثناء استعدادهم للخروج إلى الاحتجاج.
وتعرف مدينة الحسيمة استنفاراً أمنياً مكثفاً، حيث يوجد عدد كبير من القوات العمومية، ودوريات الأمن من سيارات، و»سطافيتات» ودراجات نارية، وعناصر أمنية متفرقة في أزقة، وشوارع المدينة، وأخرى بزي مدني في المقاهي، والأحياء الشعبية، تحسباً لمنع أي احتجاج ممكن.
ورفعت عائلات معتقلي الحراك والنشطاء أعلام سوداء فوق أسطح منازلهم، تعبيراً عن غضبهم، ورفضهم لهذه الأحكام، التي وصفوها بـ»غير العادلة والقاسية» في حق قائد الحراك ناصر الزفزافي، ومن معه، والتي بلغت أزيد من 300 سنة سجناً نافذاً.
وفي خطوة احتجاجية، بعد منع عائلات معتقلي الحراك الريفي من التظاهر والإحتجاج في الشارع العام، لجأت ساكنة الحسيمة إلى الاحتجاج بالطنطنة، وإطفاء الأنوار في المنازل ولبت الساكنة النداء، الذي تم تعميمه من طرف ناشطات في الحراك الشعبي في الحسيمة عبر رسائل في الواتساب ومواقع التواصل الإجتماعي تعلن من خلالها إقدامهم على قرع الأواني «الطنطنة» إبتداء من منتصف الليل، خاصة في الأحياء الشعبية كما تعالت زغاريد النساء في سماء الحسيمة من أعلى الأسطح.
اضراب عام
ويتداول نشطاء وحقوقيون حول إمكانية تخصيص يوم للإضراب العام، في خطوة تصعيدية ضد الأحكام، التي وصفوها بـ»الجائرة»، و»القاسية»، و»غير العادلة»، مطالبين بالتراجع عنها. ولم يحدد بعد زمن ليوم الإضراب، بينما هناك دعوات من عائلات المعتقلين إلى النساء، والرجال للخروج بزي أسود، تعبيرا عن غضبهم.
وانضم أطفال الريف إلى الأصوات المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين، وانتشرت فيديوهات أطفال من عائلات المعتقلين، يطالبون برفع الاعتقال عن أبناء منطقتهم، الذين خرجوا في مسيرات احتجاجية من أجل مطالب اجتماعية، واقتصادية، فوجدوا أنفسهم يواجهون أحكاما ثقيلة.
وفي مقابل الاحتجاجات التي عرفتها المدن المغربية ومواقف الاحزاب والمنظمات الحقوقية والانسانية المستنكرة والمنددة بالاحكام واعتبارها عودة في البلاد الى سنوات الرصاص والانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان، تحرك مؤيدو الاحكام للدفاع عنها، ان كان محامو الدولة او من أطلقوا على أنفسهم «المتضررون من الحراك» من دون أن يعلن هؤلاء عن هوياتهم. وقالوا ان الاحكام «كانت مخففة ولم تجبر الضرر المادي والمعنوي الذي تسببت فيه تلك الأحداث».
وقال محامو الدولة والمطالبون بالحق المدني إن «الجرائم التي ارتكبها النشطاء تقتضي التشدد في معاقبتها وتطبيق أقصى العقوبات بشأنها والوقوف عند حد 20 سنة بالنسبة لأربعة متهمين، وتمتيع باقي المعتقلين بظروف التخفيف، ينطوي على استخفاف بمطالب الضحايا وهيئة دفاعهم».
أحكام مخففة
وأكد عبد الكبير طبيح، محامي الدولة أن محاكمة المتهمين كانت عادلة من خلال إجراء 84 جلسة، وإتاحة الفرصة أمام المتهمين للتحدث بكل أريحية أمام هيئة القضاء، واستدعاء شهود المتهمين، وحضور ممثلي المنظمات الحقوقية المغربية والدولية، علاوة على مختلف وسائل الاعلام.
وقال المحامي محمد الحسيني كروط، الذي ينوب عن الضحايا والمطالبين بالحق المدني، إن «الأحكام لم تكن في مستوى تطلعات الضحايا، وكانت مخففة ولا تتلاءم مع خطورة الجرائم المرتكبة، كما أن المحكمة لم تطبق الحد الأقصى للعقوبات المقررة للأفعال المقترفة التي تصل في واحدة منها فقط إلى عقوبة الإعدام والسجن المؤبد».
ونقل موقع هسبرس عن والدة أحد الضحايا، من دون ان يكشف عن هويتها، إنها كانت تنتظر من الحكم القضائي أن يطفئ لهيب معاناتها التي امتدت لأكثر من سنة وهي ترى إبنها مصاباً بشلل نصفي وارتجاج في الدماغ نتيجة تلك الأحداث، لكنها أصيبت بخيبة أمل كبيرة بعدما صدرت أحكام مخففة لم تتجاوب وتساير ملتمسات النيابة العامة ومطالب دفاع الضحايا.
وتتوجه الأنظار نحو الاستئناف، بعد تخوفات من رفض النشطاء الذين حكم عليهم التقدم بهذا الطلب وهو ما سيضع الدولة في إحراج. وقال المحامي محمد أغناج عضو هيئة الدفاع عن معتقلي حراك الريف الشعبي، إن هيئة الدفاع عن المعتقلين لم تتقدم بعد بطلب الاستنئاف لأن آجاله مازلت باقية. وأن بعض المعتقلين تقدموا بالتصريح بالاستئناف، فيما مازال معتقلون آخرون لم يقوموا بذلك، كما أن الهيئة لم تحصل بعد على نسخة من الحكم الابتدائي، وأنه لحد الآن لازال هناك وقت أمامها حتى تتقدم بطلب الاستئناف وقال أنه حسب «ما اطلع عليه فإن النيابة العامة لم تتقدم هي الأخرى بطلب استنئاف الحكم، وكيف ما كان الحال فالقانون يتيح لها ذلك».
وعقدت أحزاب الغالبية الحكومية صباح امس الجمعة اجتماعا عاجلا بحضور رئيس الحكومة الدكتور سعد الدين العثماني، لمناقشة تطورات الأوضاع العامة في البلاد، بعد ردود الفعل المستنكرة للاحكام والتي لم تقتصر على المغرب واحزابه ومنظماته وتوقعت ان تخلق «أزمات» دبلوماسية بين المغرب وبعض الدول الأوروبية التي عبرت عن رفضها للأحكام القاسية التي طالت نشطاء الحراك.
أحزاب الغالبية: تنفيذ البرنامج التنموي
وقال بلاغ أحزاب الغالبية ارسل لـ«القدس العربي» انها تؤكد على احترام استقلال القضاء وعلى ضمان شروط المحاكمة العادلة وأن محاكمة المتهمين اتسمت بالعدالة وذكرت بأن هذه الأحكام قد تم إصدارها على المستوى الابتدائي، فإنه من حق المتهمين ودفاعهم اللجوء إلى استئنافها، طبقا للمساطر القضائية الجاري بها العمل، بما يفتحه ذلك من آمال لدى المتهمين وأسرهم في مراجعة هذه الأحكام، كما تتطلع إلى ذلك أحزاب الغالبية.
وتحدث بلاغ الغالبية عن تنفيذ البرنامج التنموي» الحسيمة منارة المتوسط»، واتخاذ القطاعات والمؤسسات المعنية التدابير اللازمة في ذلك، وهو ما مكّن من الانتهاء من إنجاز العديد من الأوراش وتحقيق تقدم كبير في ما تبقى منها.
وقال مصطفى الخلفي الناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية إن السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التنفيذية، وأنه لا يمكن للحكومة التدخل في أحكام القضاء وأن الأحكام الصادرة بحق معتقلي الريف ابتدائية ومازالت هناك مرحلة الاستئناف وسلك جميع مراحل التقاضي.
وطالبت سكرتارية التنسيقية المغاربية لمنظمات حقوق الإنسان بإطلاق سراح معتقلي حراك الريف والاستجابة لمطالبهم، وفتح تحقيق في «التعذيب وسوء المعاملة». واعتبرت معتقلي حراك الريف «ضحايا محاكمة غير العادلة».
ونددت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بـ»الأحكام القاسية التي صدرت في حق معتقلي الريف، التي تعود بالبلاد إلى سنوات الرصاص وتقدم صورة سيئة عن البلد وتبين زيف الخطاب الداعي إلى المصالحة بين الدولة والمجتمع».
منتدى الكرامة يستنكر
وقال منتدى الكرامة لحقوق الإنسان، إنه تلقى باستنكار كبير الأحكام الصادرة في حق معتقلي حراك الريف، والتي تراوحت ما بين 20 سنة، وسنة نافذة، مؤكداً أن «هذه الأحكام هي تتويج لمسار مليء بالخروقات والانتهاكات سبق للمنتدى أن نبه إليها في حينها، وأثبت القضاء أنه عاجز على التصدي لها بقوة القانون»، مطالبا «السلطة القضائية بالتصحيح الفوري لها في محطات التقاضي المقبلة»، داعيا إياها «إلى تمثل معاني الاستقلالية الحقيقية التي بدأت تنهار بمؤشرات مقلقة تهدد استقرار المجتمع وثقته في وجود سلطة محايدة لتحقيق العدالة».
محمود معروف