بغداد ـ «القدس العربي» ـ مصطفى العبيدي: دخلت العملية السياسية في العراق أزمة جدية حول شرعية الانتخابات في ظل التزوير «الكارثي» الذي شهدته، وبعد تمرد مفوضية الانتخابات بدعم من بعض الأحزاب على قرارات مجلس النواب، لمنع تصحيح نتائج الانتخابات.
وبعد ان فرض الشعب العراقي إرادته على صناع العملية السياسية، عبر مقاطعة الأغلبية للانتخابات البرلمانية التي جرت في 12 من الشهر الجاري، فان ضغطه نجح في إجبار البرلمان والحكومة على التحرك لإيقاف مهزلة التزوير الواسع الذي شهدته الانتخابات وخاصة في الخارج والمخيمات.
ورغم المعارضة الشديدة من قبل الكتل والأحزاب الفائزة لتصحيح الانتهاكات والتجاوزات والخروقات وتمسكها بنتائج الانتخابات خوفا من فقدان المقاعد التي حصلت عليها، فقد اضطرت حكومة العبادي إلى تشكيل لجنة للتحقيق في الخروقات، كما صوت البرلمان على إلغاء نتائج اقتراع النازحين ومحطات الخارج وإعادة العد والفرز اليدوي للأصوات بنسبة 10 في المئة في جميع المحافظات. وقد انتقد رئيس البرلمان سليم الجبوري، الأخطاء الكارثية التي شابت العملية الانتخابية، مقرا ان «عمليات التزوير التي حدثت في الانتخابات، ترتقي إلى مستوى تحريف إرادة الشعب العراقي بعملية واسعة ومنظمة ومخطط لها».
إلا ان مفوضية الانتخابات، وفي تحد لقرارات البرلمان (أعلى سلطة تشريعية في البلاد) أعلنت أنها لن تستجيب لتلك القرارات، التي وصفتها بانها مخالفة للقوانين، وأنها ستنتظر صدور قرار من المحكمة الاتحادية العليا لحسم الجدل. وبذا فقد أصبحت الكرة في ساحة المحكمة الاتحادية لحسم الصراع حول سلامة العملية الانتخابية.
وكانت المفوضية حذرت من نشوب حرب أهلية إذا جرى تغيير نتائج الانتخابات، كما أعلنت عن إلغاء 1021 محطة في عشر محافظات والخارج والمخيمات لامتصاص النقمة عليها، حيث تصر مفوضية الانتخابات على تجاهل سيل هائل من الأدلة والوثائق التي تدينها بعدم الاستقلالية وانحيازها لأحزاب ثبت قيامها بالتزوير على نطاق واسع ومكشوف، مما قد يعرضها للإقالة من قبل البرلمان.
ولعل أكثر المعترضين على قرار البرلمان بإعادة العد والفرز والغاء أصوات الخارج، هما الحزبان الكرديان الرئيسيان اللذان يواجهان اتهامات من أحزاب كردية وعربية وتركمانية بالتزوير الواسع. وقد حذر الحزب الديمقراطي الكردستاني، من «عواقب كارثية» قد تقود العراق إلى «الهاوية والفوضى» إذا جرى تغيير النتائج، بالتزامن مع إعلان الاتحاد الوطني الكردستاني، انه لن «يتنازل عن أصواته الانتخابية في محافظة كركوك». ويأمل الحزبان في استثمار نتائج الانتخابات لتحسين موقفهما في الإقليم ولاستعادة السيطرة على كركوك ومناطق أخرى متنازع عليها، وسط نشر الاشاعات عن عودة تنظيم «داعش» إلى تلك المناطق، لإجبار الحكومة على إعادة نشر البيشمركه فيها.
وحذر تحالف «سائرون» بزعامة مقتدى الصدر والشيوعيين، أبرز الكتل الفائزة، من خطورة إلغاء نتائج الانتخابات ومن الفوضى، معتبراً أن ليس من صلاحيات مجلس النواب إلغاء أو تعديل نتائج الانتخابات، وذلك للخوف من فقدان مقاعده أو حصول تلاعب جديد.
أما القوى السنية فيبدو انها ستكون الخاسر الأكبر إذا اعيد فرز الأصوات وإلغاء بعض الصناديق حيث يتوقع ان تخسر أكثر من 20 مقعدا. ويعبر الكثير من المراقبين عن الخشية من لجوء بعض الأحزاب الخاسرة إلى تفجير أزمات أمنية لغرض فرض إرادتها.
ولم تكن انتخابات العراق بعيدة عن المخاوف الدولية، عندما ذكر ممثل الأمين العام للأمم المتحدة إلى العراق يان كوبيتش، في كلمته أمام مجلس الأمن، إنه تم تسجيل «بعض عمليات التزوير في الانتخابات وترهيب من قبل جماعات مسلحة» وأن «الانتخابات اتسمت بانخفاض إقبال الناخبين» داعيا إلى تشكيل حكومة عراقية وطنية وإطلاق حوار شامل من أجل تحقيق الإصلاحات التي تحتاجها البلاد. وكان كوبيتش طالب بإعادة النظر في نتائج الانتخابات ومراعاة الاعتراضات عليها.
وفي خضم معمعة الصراع بين الكتل السياسية وماراثون الاتصالات لتشكيل الكتلة الأكبر التي ستقود الحكومة المقبلة، يتسابق سفيرا إيران والولايات المتحدة في بغداد، على إجراء اللقاءات مع القيادات السياسية في بغداد والإقليم، لبحث تشكيل الحكومة المنتظرة.
وبغض النظر فيما إذا كان تحرك الحكومة والبرلمان جديا لتصحيح نتائج الانتخابات وكشف التزوير الواسع الذي شابها ومعاقبة المزورين، أو كونه محاولة لترقيع العملية السياسية من خلال تصحيح جزئي للنتائج، وهو ما لا يرضي العراقيين، فالمؤكد ان الضغوط الشعبية والدولية لعبت حتى الآن دورها في إيصال رسالة مفادها عدم سكوت الشعب على اصرار الأحزاب الكبيرة على التلاعب بإرادته، من خلال مفوضية الانتخابات التي تطاردها تهم الفشل وعدم النزاهة في إدارة العملية الانتخابية باعتبارها العمود الفقري لأي عملية سياسية.
11TAG