نواصل التعرف على علماء ومفكرين معاصرين تركوا إرثا يستوجب الإحياء؛ لمواجهة مشروع «الشرق الأوسط الكبير» أو الجديد.. وللتصدي لمخطط التقسيم والتفتيت والفتن والجهالة.. وكنا قد تعرفنا السبت الماضي على كل من: 1 ـ سيد عويس.. 2 ـ زكي نجيب محمود.. 3 ـ سليمان حزين.. 4 ـ علي الوردي، وهذه المرة نتعرف على:
5 ـ عبد الله الريماوي (1920 ـ 1980) مفكر ومثقف سياسي فلسطيني. ولد في بيت ريما، قضاء رام الله؛ تابع دراسته بالجامعة الأمريكية في بيروت، وبعد حصوله على إجازة في العلوم اتجه لدراسة القانون وحاز على إجازته من جامعة لندن، ثم دبلوم من كلية القدس للقانون، ودبلوم القانون العام والقانون الإداري من جامعة القاهرة.
أشار الكاتب الأردني موفق محادين إلى محطات الريماوي الفكرية والسياسية؛ بداية من مشاركته في تأسيس حزب البعث في الاردن وفلسطين، ونجاحه في اول انتخابات برلمانية بعد ضم الضفة الغربية للاردن؛ معتبرا هذا الضم بمثابة وحدة ضرورية لتأسيس «الدولة الطوق» وتأكيد البعد القومي للقضية الفلسطينية، ولذلك تحفظ على تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، واعتبرها ذريعة للتنصل من المسؤولية القومية. واختلف مع رفاقه القدامى في حزب البعث خلال مؤتمر 1959 انطلاقا من رؤيته لتجربة الوحدة بين مصر وسوريا وما ترتب عليها من خلاف بين عبدالناصر والبعث.
والريماوي كان مهموما بحال العرب؛ وآمن بأن الوحدة هي طوق النجاة، وذلك في وقت تعالت فيه أصوات الداعين إلى الحركة العربية الواحدة.. من أجل أن تتحمل عبء إنجاز هذه المهمة التاريخية؛ على الرغم من ضراوة المتربصين بها والكارهين لها والمعادين لمن يسعى إليها.. وعمل الريماوي على بلورة «نظرية ثورية عربية» تكون دليلا للحركة العربية الواحدة؛ وبالفعل أنجز الجزء الأول منها.. وخرج على هيئة كتاب بعنوان «البيان القومي الثوري»، وفي الجزء الثاني وضع مشروع ميثاق الحركة العربية الواحدة.. ولم أكن قد تعرفت على مشروعه أو اطلعت عليه حتى التقيته في «مؤتمر المفكرين العرب» شتاء 1973 ببنغازي.. وهو مشروع يعتبر مرجعا مهما لمن يريد أن يستزيد من الإرث الفكري الذي تركه رواد ستينيات القرن الماضي؛ في سعيهم وبحثهم عن سبل النهضة والقوة والتأثير في «القارة العربية» الممتدة ما بين المحيط والخليج..
6 ـ رشدي سعيد (1920 ـ 2013) مفكر وجيولوجي عربي مصري، ولد بالقاهرة، من أسرة تعود أصولها لمحافظة أسيوط بالصعيد؛ تخرج من كلية العلوم بجامعة القاهرة مع مرتبة الشرف الأولى، وعمل بالتدريس الجامعي بعد العودة من بعثة دراسية بجامعة زيورخ السويسرية، وكان أول عربي مصري يحصل على الدكتوراه من جامعة هارفارد الأمريكية.
واستمر في العمل بالتدريس الجامعي حتى عام 1968، ثم أسندت إليه إدارة مؤسسة التعدين الجيولوجية حتى 1977م. وأقامها على أحدث النظم العالمية، وأنجز عددا من المراجع المتخصصة، التي حازت التقدير والاعتراف العالمي. وبعد نكسة حزيران اهتم بالاكتشافات التعدينية؛ فتمكن من تعويض مصر ما فقدته من ثروات تعدينية بسبب الاحتلال الصهيوني لسيناء.
وظهر مشروع رشدي سعيد أول مرة عام 1995، وتم نشره في كتاب صدر عن دار الهلال عام 2004؛ بعنوان: «مصر المستقبل. المياه.. الطاقة.. الصحراء»؛ واجه به تبديد الأرض الزراعية وتلويث مناخ وتربة وادي النيل بمخلفات الصناعة، وإهدار مياه النيل في مشروع توشكى الفاشل، كما توقع له، وتنبأ بمطالبة دول منابع النيل بحصص أكبر، وكانت حصص أغلب هذه الدول لا تتجاوز المياه المهدرة في مشروع توشكى، وكان يستهلك وحده عُشر حصة مصر المائية. وابتعد مشروع رشدي سعيد عن الوادي والدلتا.. محذرا من سيطرة وهم نقل الزراعة إلى الصحراء على عقول المسئولين المصريين.
حدد سعيد الحيز الجغرافي لمشروعه في قلب الصحراء؛ يحده الساحل الشمالي لصحراء مصر الغربية على البحر المتوسط، ويصل إلى منخفض القطارة وواحة سيوة جنوبا، على أن يرتبط بباقي مناطق الوادي والدلتا بشبكة مواصلات واتصالات محكمة، ويتميز هذا الحيز باعتدال المناخ وانبساط التضاريس والقرب من مخزون الطاقة وحقول الغاز ومياه البحر، التي يمكن استخدامها في تبريد العديد من الصناعات. وفيه يمكن نقل المصانع القائمة، وإضافة عدد آخر مماثل لها، وجذب ملايين العاملين وعائلاتهم، والتزود بمياه عذبة عبر أنبوب من النيل؛ بضخ كميات أقل وبمردود أكبر من الكمية المستخدمة في الاستصلاح التقليدي للصحراء.
واعتبر سعيد أن مشروعه بداية لتغيير وجه مصر، وتحويل وادي النيل إلى محمية طبيعية للزراعة المتقدمة، وجعل الصحراء روضة صناعية؛ تعتمد في تمويلها على توجيه الأموال المهدرة في مشروعات تخفيف الزحام في المدن القائمة، وفي إقامة الكباري العلوية والطرق الدائرية وقطارات الأنفاق.. وغيرها من المهدر في الااستصلاح التقليدي للأراضي الصحراوية، وتوفير تكلفة نقل المواد الأولية والطاقة إلى المصانع بعد أن انتقلت المصانع إلى مناطق الاستخراج.
وبدلا من ذلك المشروع أقيمت القرى السياحية على شواطئ البحر الأحمر وخليجي السويس والعقبة، وتحولت إلى ملاه ومنتجعات أوروبية؛ لا توفر مساكن للعاملين والوافدين؛ تمكنهم من الاستقرار، فيذهبون إلى مهام مؤقتة ويعودون بعدها إلى مدنهم وقراهم الأصلية.. وزرعت المنطقة بغابات أسمنتية من الإسكندرية إلى مطروح، وسُميت ساحل شمالي؛ لم يجتذب أحد للاستقرار الدائم، ويكاد يكون خاليا طوال العام.. أما المدن الجديدة؛ مثل العاشر من رمضان والسادس من أكتوبر؛ فأقيمت مع استمرار العاملين فيها في مناطقهم العشوائية القديمة على أطراف المدن وفي الريف؛ يعانون مشقة الانتقال اليومي بمركبات عشوائية لاماكن عملهم في هذه المدن!.
وانتقد رشدي سعيد خطة الدولة (1997 ـ 2017)، وكانت تستهدف استخدام ربع مساحة الصحراء المصرية حتى نهاية الخطة في 2017، حيث أقيمت منشآتها بعيدة عن مصادر الطاقة والمياه العذبة، وإنشئت مدنها مبعثرة في الصحراء؛ دون اهتمام يذكر بكسب السكان لمعاشهم؟، أو كيف يتزودون بالمياه ويحصلون عليها؟!
واحتلت قناة توشكى اهتماما أكبر في تلك الخطة؛ بكل ما لها من تأثير على إيرادات النهر شمال السد العالي، وتقدر بعشرة في المئة من المياه المستخدمة في ري أراضي الوادي، وهو ما لم يُحسب له حساب قبل إنشائها، بجانب أن تكلفة الزراعة المروية فيها باهظة، وتحتاج للرفع مرتين؛ مرة إلى فُم القناة والأخرى إلى الأراضي حولها؛ بمنسوبها الأعلى.. وبيعت ارض المشروع ـ لمستثمرين مصريين و أجانب ـ يحصل كل منهم على «أبعادية» ـ حسب تعبير رشدي سعيد ـ فالوليد بن طلال حصل على ما يساوي 2 في الألف من مساحة مصر بمحاذاة طريق أسوان ـ أبو سمبل؛ بسعر بخس لا يصل إلى 4 في الألف من تكلفة الاستصلاح، ولا تحصل الحكومة على أي ضرائب لمدة 20 عاما؛ من تاريخ وصول المياه إلى هذه الأراضي.
وفي حديثه إلى صحيفة «المصري اليوم» القاهرية في 25/ 5/ 2010 وصف إساءة استخدام الموارد الطبيعية بـ»الجريمة» وضرب مثلا بالاستغلال السيئ للسواحل، وذكر أن ما بين الإسكندرية والسلوم يكفي لإنشاء دولة كاملة، بالإضافة لباقي سواحل البحرين الأحمر والمتوسط وخليج العقبة وخليج السويس.. ومع شح المياه أصبحت هناك حاجة لتحلية مياه البحر.. وقال: حنروح فين بعد ما باعوا السواحل للسياح فى البحر الأحمر ولباشوات مصر فى البحر المتوسط فى غرب الإسكندرية.. وهذا أسوأ تبديد للثروة في مصر.
شغل رشدي سعيد عضوية البرلمان لسنوات حتى اعتقل في 1981 ضمن حملة السادات التي طالت 1536 من العلماء والمفكرين والسياسيين ورجال الدين. وانتهى به الأمر للهجرة، وقدم استقالته بعد أن تغيرت أحوال مصر، وباع مكتبته العلمية لتساعده على الحياة في واشنطن، التي عاش فيها من عام 1981 حتى وفاته في شباط/فبراير عام 2013.
وإذا كان رشدي سعيد اعتبر تبديد الثروة المعدنية جريمة فما بالنا بإهدار الثروات البشرية العلمية والأكاديمية والفنية والخبرات العالية؟
٭ كاتب من مصر
محمد عبد الحكم دياب