وصفت الثورة السورية المعاصرة بالكاشفة، وهذا صحيح، لكن فعل الكشف هذا لا ينحصر في فضح مجمل مواقف القوى المحلية والإقليمية والدولية من استحقاق التغيير السياسي في بلد يحكمه نظام استبدادي لم يطل أمده فحسب، بل يتطاول حتى على ثوابت أكاديمية لطالما اعتبرت مكرسة في العلوم الاجتماعية والسياسية على غرار ذلك التعريف الشهير القائل بأن السياسة هي فن الممكن، أو تعريف الحرب الموصوفة، في هذا السياق، بأنها تكثيف للممارسة السياسية أو إحدى وسائلها.
فلقد تحولت السياسة في الحالة السورية، وبالتأكيد في حالات مشرقية أخرى، إلى لعبة المطلق، بينما باتت الحرب هدفا بذاته ولذاته يدور في حلقة حلزونية لا قرار لها، على وقع حالة من التغول المرعب في ظاهرة انكار الواقع والإصرار على رفض معطياته في ظل سيادة نزعات رغبوية وغيبية، ربما لا مثيل لها في بقاع أخرى من العالم وتاريخه السياسي المكتوب.
أحد أهم معالم المطلق في هذا المقام يتجسد في مجموعة كبيرة من الانزياحات والإزاحات القسرية الكبرى التي بدأت بلعبة تبادل الأدوار بين المراكز الإقليمية التقليدية في المشرق العربي والأطراف المحيطة بها، والتي كانت تدور في فلكها لحقب زمنية طويلة ومتعاقبة، متكئة على معطيات موضوعية مشفوعة بحقائق اجتماعية وسياسية مسلم بها، مرورا بتغييرات جيوسياسية كبرى أيضا طالت أهم مكونين للكيانات المجتمعية والسياسية، على غرار الواقع الجغرافي والسكاني، وصولا إلى فرض نظام سياسي عربي تحكمه وتتحكم به أنظمة شمولية مطلقة منغمسة حتى النخاع في الرغبوية وفي التبعية وفي الانكار، انكار حق الشعوب في تمثيل نفسها ورسم معالم مستقبلها، ولذلك، تأخذ أي محاولة للتغيير شكل بركان متفجر لا يبقي ولا يذر. من دون اغفال الكثير من المعطيات الخارجية والأدوات العابرة للحدود والمطامع الاستعمارية التقليدية المعروفة، لا تفسير آخر يمكن من خلاله قراءة مجموعة الاستعصاءات التي تقف في وجه موجة التغيير التي قادتها ثورات الربيع العربي عموما، والثورة السورية المعاصرة على وجه الخصوص كما يجب، ولا مسوغ يمكن من خلاله استشفاف مكامن قوة الموجة المضادة لمحاولات التغيير والمعبر عنها في ثورات مضادة كاسحة تمكنت بفعل إمكانياتها الهائلة وخبراتها الطويلة وارتباطاتها الخارجية المستدامة من كسب جولة من صراع طويل لن يتوقف، طالما بقيت سياسة الإنكار هي السائدة، وطالما بقيت شعوب المنطقة محرومة من الحرية والكرامة، ومن حقها في تقرير مصيرها وإعادة بناء أنظمتها السياسية على أسس ديمقراطية.
في واقع تضمحل فيه السياسة ويحيا فيه ساسة فاسدون مارقون يموت المعنى في الحالة الأولى، ويسود الطغيان في الثانية، وتعود المجتمعات البشرية إلى الاحتكام إلى شريعة الغاب، بينما تتخلخل تلك الضوابط المعرفية التي راكمتها شعوب الأرض والتي من المفترض أن تقونن العلاقة ما بين القوة الأخلاقية من منظور إنساني شامل وبين واقعية سياسية تتجنى على الواقع السياسي نفسه وتساوي في حالة الثورة السورية، على سبيل المثال، بين الضحية والجلاد، وتفاضل بين رأس نظام مارق ومصير شعب بأكمله وتلجأ إلى الكذب والتضليل عندما تسم ما يدور على الأرض السورية منذ خمس سنوات بالحرب تارة أو بالعنف تارة أخرى، ضاربة عرض الحائط معطيات ذلك الواقع التي تشي بأن ما يجري هو حالة موصوفة من الإبادة الجماعية، تفتقر إلى الحد الأدنى من التكافؤ بين أطراف النزاع، على غرار ما تشهده مدينة حلب وشهدته مختلف المدن والأرياف السورية تباعا منذ اندلاع الثورة السورية.
ترسانة عسكرية وخبرات حربية هائلة تملكها جيوش كلاسيكية جرارة تستفرد بأحياء مدنية، وما تبقى من سكانها ممن لم يهجروا بعد من بيوتهم، ومجتمع دولي يستكثر على السوريين تغييرا سياسيا بات يشكل استحقاقا تاريخيا بامتياز، لا بل يوظف الحالة السورية في فرض أجندات لا أخلاقية عابرة للحدود، لا ناقة للسوريين فيها ولا جمل، في مشهد يكرس نزعة اللاسياسة وحالة طلاق بائنة مع تلك القوة الأخلاقية التي لطالما حرص حتى المستعمرون التقليديون على رفع رايتها على مر حروبهم الخارجية والداخلية على حد سواء، بحيث أصبحت حتى التحليلات السياسية فائضة عن الحاجة في مستواها السائد، بعد أن أصبحت المقتلة السورية وجهة نظر لا تخجل حاملها والمروج لها، وبحيث كان حري بوزير خارجية دولة عظمى مثل الولايات المتحدة أن يقول بأن الوضع في سوريا ليس خارج السيطرة فحسب، بل خارج السياسة نفسها أيضا أو يحلق فوقها عاليا ويرمي بحممه على شعب أعزل يطالب بحريته.
نعي السياسة خطوة ضرورية لإحيائها وإخراجها من مستنقع الغريزة أو فرض بعض التجليات الأخلاقية في عروقها ولنزع احتكار ممارستها من فم الأسد وغيره ممن تبقى من طغاة العالم. لكن ألا يبدو نعي السياسة على هذا النحو غريبا بعض الشيء؟ من يتصفح كتاب «موت العلوم السياسية» للأكاديمي الأمريكي اللاتيني كانسينو سيسار، سيجد نفسه أمام حجة مثيرة للجدل ولكنها تتمتع بمصداقية فكرية عظيمة: العلم السياسي المهيمن في عالم اليوم يهيم على وجهه بلا وجهة، ويسير بأقدام من الطين، بينما أدار ظهره للحياة، وللخبرات السياسية المتراكمة. قطع مع الحياة الاجتماعية والثقافية للشعوب، التي باتت مستعمرة بطرق خاصة مستمدة من تخصصات أخرى متباينة وغارقة بالمعطيات الصلبة ومحاصرة بالتخصصات المفرطة، يكافح، لكن لا يمكن أن يستنبط منه سوى بيانات غير مجدية وغير ذات صلة بالواقع.
الفكر السياسي، والحكمة السياسية لا بد من البحث عنهما في أي مكان آخر. فلقد ظلت السياسة والعلوم السياسية عاجزة حتى الآن عن استيعاب حتى المستجدات التي تستحدثها الديمقراطية وتتطلبها كشكل من أشكال التنظيم الاجتماعي والسياسي في العصر الحديث. من حيث المبدأ، فإن التحدي الذي تطرحه الديمقراطية يتجسد في أزمة التمثيل المتأصلة، ومعها ظهور مجتمع جديد يطمح إلى الصالح العام. باختصار، فقد أصبحت السياسة اليوم وبشكل متزايد بناء رمزيا هشا، ذلك أن كل شيء أصبح مسيسا شرط أن يكون قابلا للنقاش. وفقا لذلك، إذا كانت العلوم السياسية تطمح إلى تجاوز مستوى السطحية التي تتهم به منذ إنشائها جراء الأساليب الوضعية التي جعلتها تغفل تعقيد الحياة الاجتماعية، فإنه يتعين على المشتغلين في حقلها تصحــــيح قصر النظــــر في افتراضاتها المنهجية، أو أن تتضمن في كنفــــها تجــربة الفلسفة السياسية والاعتماد على التخصصات الأخرى مثل الفنون والآداب التي توفر الدعم لها وتمنحها قراءة اجتماعية أشمل تركز على المواطن وليس على الإحصاءات والبيانات الصلبة، ذلك أن التغلب على عقم السياسة ومواجهة التحديات السياسية لا يستقيم إلا بالديمقراطية وحرية الشعوب.
٭ كاتب فلسطيني
باسل أبو حمدة