بغداد – «القدس العربي»: لم يعد الفن السينمائي يعمل بمعزل عن الفنون الأخرى، خصوصاً الفنون الكتابية التي تدخل فيه كروح تعيده إلى الحياة، إذ جاءت من قبل شاعر عرف عنه تقنياته المتفردة والمغايرة. هذا ما نراه حقيقية مع الشاعر عمر السراي، الذي دخل عالم الشعر منذ سنوات وأنجز فيه نصوصاً شعرية توجها بعدد من المجموعات الشعرية، منها «للدرس فقط»، ليدخل بعد ذلك لفن المسرح، بعد أن عمل مدرسا في معهد الفنون الجميلة، والسينما التي قدم فيها أكثر من فيلم قصير كان آخرها فيلمه المميز «موت Re» الذي عرض مؤخراً عرضاً خاصاً في اتحاد الأدباء في بغداد بالتعاون مع جمعية «الثقافة للجميع».
قبل الحديث عن الفيلم، كسر السراي القيود التي فرضتها وزارة التعليم العالي في معهد الفنون الجميلة، القاضية بالفصل بين الشباب والبنات في الدراسة، فقسمت المعهد إلى صفوف غير مختلطة، وكأن هذا الفيلم كان رداً من السراي على قرار الفصل في معاهد الفنون فجمع في التمثيل بين ممثلات وممثلين شباب من المعهد.
«موت Re» فيلم سينمائي قصير، يشغل مساحةً زمنية قدرها 21 دقيقة، اعتمد الطرح الدرامي القائم على الحوار الرمزي، مع اعتماد راوٍ للأحداث، يباشر الفيلم طرح فكرته بأسلوب رمزي، إذ يعتمد على ثلاث شخصيات، «رجل، شاب، فتاة» تدور الصراعات بينهم داخل أسوار ثلاثة أجهزة للتلفاز، يتم الانتقال بينها، مع الانتقال من العالم المفترض داخل التلفاز إلى عوالم في الواقع، مع المزج بين زمن الفيلم وتداعيات الذاكرة، أو استشراف المستقبل، الثيمة التي تسود أجواء الفيلم، هي ثيمة الموت.
اعتمد الفيلم، ابتداءً من عتبة العنوان، المزج بين اللغة الإنكليزية والعربية، إذ أن المقطع
« RE « يمثل لغوياً الإعادة الدائمة والمفردة «موت» تحمل دلالتها على انتهاء الحياة، فتكون عتبة العنوان دالةً على فكرة إعادة دورة الموت دائماً، إذ ينشأ الصراع بين أقطاب العمل/ شخصياته، مما يؤدي إلى الاقتتال بينهم، وترحيل الصراع بين الماضي والمستقبل، والخسران الذي يلحق بكل الأطراف، ابتداءً من خسران حضارة الوطن، إلى التوحد المستحيل بين الأقطاب المختلفة. الرسالة التي يحرص الفيلم على توجيهها، هي استحالة الاستمرار في هذا الوضع القلق، إذ أن جمع مكونات مختلفة وثائرة في مكان واحد، سبب في تعقيد الأزمة، كما أن افتراق هذه المكونات هو الحلُّ الأمثل لبقاء هذه المكونات على قيد الحياة.
الفيلم يناقش من خلال زاوية طرحه الرمزية فكرة وطنٍ وإنسانية وتاريخ ومستقبل، ويميل إلى التلميح مبتعداً عن التصريح المباشر، كما يعتمد الفيلم كسر النظام المنطقي للأحداث والمسببات، عن طريق تغريب الواقع، وامتزاج الواقع بالخيال، فهو فيلم يسعى إلى تحقيق الصدمات في مشاهده المختلفة، من دون السعي الحثيث لالتماس الحلول، وتصنيف الجهات. صوِّر الفيلم وفق مقتضيات السينما الحديثة من معدات وشروط، كما اعتمد في مونتاجه على الحداثة في الأساليب المبتكرة، وتم انتاجه بصورة شخصية تعتمد على مساعدة المهتمين بالشأن السينمائي، فالفيلم حصيلة جهود مجموعة من الطلبة في معهد الفنون الجميلة، فضلاً عن مساعدات معهد الفنون الجميلة للبنات، وتجمع «فنانو العراق»، والنشاط الرياضي في الكرخ الأولى، وثلة من أصدقاء المخرج عمر السراي.
السراي في حديث خاص لـ«القدس العربي»، يقول إن الفيلم تلوين رمزي يهدف للتجريب والتلميح قبل التصريح. ويتحدث عن قصة ثلاث شخصيات رجل وشاب وامرأة، يعيشون داخل جهاز تلفزيون ويتحاربون في ما بينهم في عالمين، افتراضي تلفزيوني وحقيقي ماض، إلى أن ينتهي الصراع بالاقتتال، لكن كل من يباشر بالقتل يعود ليقتل لنصل إلى نتيجة أن دائرة الموت هي المكررة. لذلك كان re بمعنى إعادة وموت بالعربية. الفيلم يوصل فكرة أن الوطن الذي لا يقوى على أن نكون فيه معاً لا يستحق أن نموت فيه كلنا. لأن خيار العيش متاح إن افترق المتخالفون.
أما عن التقنيات التي استخدمها السراي في هذا الفيلم، فيشير إلى أنه اعتمد على كاميرا من نوع مارك 3 للتصوير، وهي كاميرا سينمائية متطورة نسبياً وذات نوعية عالية. وقد أدار التصوير الفنان أحمد الفكيكي بمساعدة مدير الإضاءة محمد رحيم، وكلاهما من المتخصصين في فن الصورة. وعلى مستوى المونتاج والتلوين الصوري كان علي هاشم علي حاضراً في إيقاع اللقطات بأحدث برامج المونتاج. وقد ألفت الموسيقى من قبل الموزع والموسيقي كمال حسن، الذي قام بتوليف مجموعة مختارة من المقطوعات الخاصة بالفيلم، مع مناطق اختارها السراي لتكون فاعلة في لغة الصورة. ويذكر السراي أن الخطوات المتبعة في إنتاج الفيلم ابتداءً من الفكرة إلى النهاية كانت خطوات أكاديمية، لأن الغرض من الفيلم لم يكن إنتاجه فقط، لأن السراي كان يصر في إخراجه على البعد التربوي، فقد تحولت جلسات التصوير والمونتاج إلى ورش لتعليم الكوادر المشاركة، لأن أغلبها من الشابات والشباب ليتدربوا على أيدي المحترفين.
السراي عرف كشاعر برز من بدايات الألفية الثانية، لكن ما تأثير ذلك في توجهه السينمائي الجديد… يجيب السراي على ذلك مؤكداً أن الشاعر في الأساس هو صانع رؤية، ووظيفة المخرج صناعة الرؤية. مضيفاً أن المقاربة بين الشاعر والمخرج وشيجة جدا. الفرق في طرح الأدوات فقط، فاللغة عند الشاعر واللقطة عند المخرج. «لا أنكر صعوبة أن تلم بالأدوات الإخراجية، لكنه طريق حرصت على أن أدخله وأطور خبرتي فيه. ولعل ما يميزني عن المخرجين المتخصصين هو أنني أمتلك خزيناً شعرياً أنطلق منه لالتقاط الصورة. كما أنني لا أنتمي إلى عالم السينما، إنما أنا شاعر يخرج الأفلام. وتلك هي المفارقة التي تضعني في أن أكون طارئاً على وسط جديد عليّ.. لكن قد يصنع الطارئون ما يعجز عنه المتخصصون. فقد ابتكر طبيبان السينما وهما الأخوان لومير، وقد يجيد التعامل معها شاعر».
ويكشف السراي قائلاً، إن الشعر هو ضرب ضروب الفنون الجميلة، أفرد لسعته في جانب خاص، وهذا هو رأي أصحاب نظرية الأدب. مبدأ الفن واحد، و»على الرغم من انتمائي للشعر، لكنني أدركت مبكراً أن الشعر وحده لا يكفي، لذلك كنت أحرص على أن أداخل بين الأجناس. ضمن مستوى الشعر أو الموسيقى أو التشكيل أو السينما أو المسرح. أنا شاعر… وصفة الشاعر تتيح لك أن تكون أي شيء… فالحلاق الجيد شاعر، والموسيقي الجيد شاعر أيضاً. ذلك يعني بأنك تشعر بصورة جيدة وعلاوة على ذلك أنك تجيد أن تعبر عما تشعر به نيابة عن الآخرين. قد لا أكون شاعراً أو فناناً أو أي شيء. لكن ما سأصر على أن أكونه هو الإنسان».
الناقد السينمائي كاظم مرشد السلوم تحدث لنا عن الفيلم ورؤيته النقدية.. مبيناً أن الفيلم ينتمي إلى خانة الأفلام الروائية القصيرة، وهو قريب من منطقة السينما الشعرية التي تعتمد الغموض وكسر التراتب الأرسطي لتحقيق التغريب، إلا أن مخرج العمل صرح بفكرة العمل في الدقائق الأولى ليعود ليجيب عن الأسئلة بعد أن أثارها، وذلك ما لم يفضله الناقد، كما تحدث عن خطورة هذه المنطقة، أي منطقة السينما الشعرية، فقد هرب منها كبار المخرجين. وقد عد السلوم الفيلم إياه من المحاولات الجريئة وأن الفكرة هي فكرة مميزة، كما أشاد بالتصوير والمونتاج. غير أنه انتقد أداء الممثلين الذين عدهم مبتدئين مقارنة بالتصوير والإخراج.
في حين قدّم الناقد فاضل ثامر دراسة نقدية عن الفيلم، على الرغم من أنه شاهد العمل للمرة الأولى، فقد ابتدأ من مشهد النار أول الفيلم واحتراق الكتب مبدياً إعجابه بتنفيذها، ليؤول الصراع القائم بين الرجل والشاب في الفيلم بأنه صراع بين هابيل وقابيل من أجل حوار، التي هي شخصية المرأة في الفيلم، وانعكاس ذلك على الواقع الوطني الذي يظهر طائفياً في الوطن، كما حلل عتبة العنوان للفيلم.. فهو مزج بين مفهوم التكرار باللغة الإنكليزية والموت باللغة العربية، الذي يصنع كلمة واحدة هي «ريموت» التي تقود الذهن نحو ريموت كونترول، الخاص بالتلفزيون، والفيلم يجد متكأه السيميائي من خلال التلفزيونات والأحداث التي تجري فيها ضمن أحداث الفيلم.
من جانب آخر تحدثت لارا غسان، وهي مساعد المخرج، عن تجربتها في هذا العمل، فهي طالبة في المرحلة الثانية معهد الفنون الجميلة، وقد تصدت لعمل سينمائي بدعم من أساتذتها، ومن خلال هذا العمل استطاعت أن تتعلم أبجديات العمل الفني لتنطلق نحو الأفضل، كما تحدثت عن كونها تمتلك طرفاً صناعياً، فقد تعرضت لحادثة في طفولتها فقدت على إثرها إحدى رجليها، لكنها لم تتوقف عن العمل وما زالت تمارس الحياة والفن، لأن العوق لا يقف في وجه المبدعين، وتحدثت عن عدم تلقي الفنانين للدعم الكافي للمباشرة بأعمالهم فهم يمتلكون أفكاراً عدة، لكن الأدوات والتمويل يحولان دون ذلك.
أما عن الصعوبات التي واجهها العمل، فقد أشار مدير الإنتاج عبد الله الحداد إلى ضيق الميزانية والموارد التي وصلت إلى الإنتاج من أجل إنجاز الفيلم وتقديم الأفضل فيه، فضلاً عن صعوبة حجز المواقع في بغداد للتصوير فيها. الحداد شكا أيضاً من قلة الاهتمام ثقافياً بالسينما. ووضح أهمية هذا العمل، فهو العمل الذي استطاع أن يجمع طلبة معهد الفنون الجميلة للبنات والبنين، بعد الفصل القسري الذي تمارسه وزارة التربية العراقية والحكومة العراقية على الفن بدعوى الدين، وأن العمل استطاع أن يكسر هذا الطوق.
وبالعودة للمخرج عمر السراي، فقد أكد أن زمن الفيلم هو ربع زمن الأفلام التي حصلت على ميزانية تقدر بمليار دينار عراقي من قبل الدولة العراقية، مع أن هذه الأفلام لم تعرض أو كانت رديئة، مع أن الحكومة والوزارة كانت تستطيع أن توزع الأعطيات لإنتاج أفلام أكثر رصانة، كما دعا إلى عدم الالتفات إلى الأسماء التي تعد كبيرة، لكن نتاجه غير متواكب مع الحداثة أو الواقع حاليا، وقد أشار إلى معرفته بأن الفيلم كسر بعض القواعد لتحقيق رؤية جديدة فلا مقدس في عالم السينما، بل الإبداع بصورة عامة، معتذراً عن بعض الأخطاء التي شابت أداء الممثلين، عازياً ذلك إلى إصرار المخرج على الاستعانة بطلبة غير محترفين ومجموعة من الممثلين ممن لم يقفوا أمام كاميرا من قبل، مع أن الإفادة من ممثلين محترفين ليست بالصعبة، إلا أن ابتكار أوجه جديدة للسينما هو الأفضل، أما عن صعوبة العمل فقد كانت مشكلة الأمكنة الخاصة والأدوات الكاملة هي أشد الصعوبات، داعياً إلى العمل الفني بكثافة، خصوصاً في جانب السينما، فقد امتلأ الوطن بالمنظرين ممن لا يجيدون تقديم نموذج ولو بسيط لما ينظرون إليه لجيل كامل من المخرجين الشباب.
الفيلم من تمثيل: محمد فارس، ماهر عبد الكاظم، علا ثائر، غفران منصور، صباح نايف. ومونتاج: علي هاشم علي، وقد أدار التصوير الفنان أحمد الفكيكي، وكان التأليف الموسيقي للفنان كمال حسن.
صفاء ذياب