لندن ـ «القدس العربي»: اجتاحت موجة من السخرية شبكات التواصل الاجتماعي في الأردن بعد أن نجح اثنان من اللصوص في السطو على بنكين مختلفين في غضون ثلاثة أيام فقط الأسبوع الماضي، وهي عمليات سطو جاءت بعد فترة قصيرة من قرارات حكومية برفع أسعار الخبز وبعض السلع الأساسية إضافة إلى فرض ضرائب جديدة تسببت في ارتفاع كافة السلع والخدمات في البلاد تقريباً.
وكان اللافت في موجة السخرية أنها تضمنت تعاطفاً غير مسبوق مع اللصوص الذين نفذوا عمليات السطو، وهو ما دفع السلطات الأمنية إلى تحذير الأردنيين من هذا التعاطف والإعلان عبر وسائل الإعلام بأن التعاطف مع الجريمة يمثل جريمة قد تعرض صاحبها للمساءلة القانونية، وذلك في محاولة لوقف فيضان التعليقات على شبكات التواصل حول عمليتي السطو اللتين استهدفتا البنوك.
واعتبر الكثير من المراقبين والمحللين والمعلقين أن موجة التعاطف والسخرية مع عمليات السطو التي تعرضت لها البنوك إنما تأتي في سياق الاحتجاج الشعبي ضد قرارات الحكومة الأردنية رفع الأسعار وفرض مزيدٍ من الضرائب.
وبثت وكالة الأنباء الأردنية المحلية «بترا» تصريحاً على لسان الناطق الرسمي باسم مديرية الأمن العام في الأردن عامر السرطاوي دعا فيه الأردنيين إلى «عدم نشر أخبار غير دقيقة أو الترويج لها» مستهجنا «التعاطف الذي أظهره البعض مع الجريمة، وهو الأمر الذي لا يمكن القبول به تحت أي ظرف كان، فالجريمة تبقى جريمة ويتم التعامل معها وفقا للقانون».
وقال السرطاوي في التصريح إن «هذه الجرائم مثل السطو والسلب هي من الجرائم الخطيرة خاصة استخدام مرتكبيها الأسلحة النارية ما قد يؤدي لوقوع إصابات، لذلك فإن أي تعاطف معها غير مقبول».
وأضاف إن «بعض الأشخاص يقومون بنشر رسائل تحريضية لارتكاب الجريمة حيث أن مثل تلك المنشورات يحاسب عليها القانون ولا بد من اتخاذ الإجراءات اللازمة حيالها».
ويقول أغلب المعلقين إن «موجة التعاطف والسخرية» التي شهدها الأردن واجتاحت شبكات التواصل الاجتماعي في أعقاب جريمتي السطو المسلح على البنوك الأسبوع الماضي غير مسبوقة وتحمل دلالات مهمة.
وكان شاب في الـ22 من عمره أقدم صباح الاثنين الماضي على تنفيذ عملية سطو مسلح ضد أحد فروع بنك الاتحاد في منطقة عبدون الراقية غربي العاصمة عمان، سلب خلالها نحو 138 ألف دولار، قبل أن يتم ضبطه وبحوزته المبلغ المذكور، وبعدها بيومين فقط نفذ شخص آخر عملية سطو مسلح استهدفت بنكاً في منطقة الوحدات شرقي العاصمة عمان.
وأطلق أردنيون الوسم (#سطو_عبدون) على «تويتر» ليشعلوا بذلك موجة من الجدل والسخرية والتعاطف مع الجريمة، فيما تساءل بعض المغردين بعد إلقاء القبض على مرتكب الجريمة الأولى عن مصير «اللصوص الكبار» في إشارة إلى بعض المسؤولين الفاسدين في المملكة.
وكتب أحد المغردين تعليقاً على سرعة اعتقال الجاني: «كم تمنيت أن يُقبض على اللصوص الذين دمروا الاقتصاد والبلد بربع هذه السرعة.. الشعب المقهور تعاطف مع الفتى روبن هود».
وكتبت مغردة أخرى: «أنا ما عم ببرر للسارق، بس مشان الله الحكومة تشوف الشعب لوين رايح، الناس وضعها من سيئ لأسوأ».
وكتب النائب الأسبق في البرلمان الأردني الدكتور أحمد الشقران تدوينة على «فيسبوك» تساءل فيها: «للمرة الأولى أشعر بتعاطف شعبي كبير مع سارق بنك!! ألا يعني ذلك شيئًا؟».
وكتب مغرد أردني على «تويتر»: «من الأشياء المثيرة للمرح أن تنشر صورة متهم بجريمة سرقة قبل أن يبدأ التحقيق معه وقبل أن يحاكم، فيما ما زلنا لا نعرف اسم قاتل رائد زعيتر بعد 4 سنوات من التحقيق».
والقاضي الأردني زعيتر كان قد استشهد برصاص جنود إسرائيليين في الأراضي الفلسطينية المحتلة قبل عدة سنوات، فيما فوجئ الأردنيون مؤخراً بالتوصل إلى اتفاق تسوية مع إسرائيل أنهى قضيته وأعاد فتح السفارة الإسرائيلية في عمان.
وكتب الإعلامي الأردني عمر عياصرة مقالاً عن الظاهرة قال فيه إن «السخرية بدل القلق، التعاطف بدل السخط، معادلات بحاجة إلى تفكيك وتركيب، بل هي مؤشرات على قادم صعب يتعلق بالجريمة والموقف منها، كما انه يمهد إلى تغيرات كمية ونوعية في الفعل الجرمي».
وأضاف عياصرة: «اللاوعي الشعبي غاضب من السياسات الاقتصادية، وأخشى ما أخشاه، انه قد يدعم السلوك الجرمي تحت عناوين المظلمة الاقتصادية، وهنا قد تتفاقم الظواهر كالرشوة مثلا، لتصبح مؤسسة مرعية من المجتمع والدولة».
أما الكاتب الساخر أحمد حسن الزعبي فنشر مقالاً أيضاً قال فيه: «أشعرُ بخوف وارتباك وضيق، فحوادث السطو على البنوك جاءت بعد موجة ارتفاع الأسعار وفرض ضرائب مجنونة وغير مدروسة هذا يعني أن الجوعَ سمُنَ واستطالت مخالبه وأنيابه وخرج من قفص الكرامة».
وانتهى إلى القول: «لو كنتُ صاحب قرار في الأردن لتوقّفتُ كثيراً عند تعليقات مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، وما حملته من تعاطف شديد مع الفاعل وأمنيات السلامة له والإفلات من العقاب، هذا المنحنى المرعب، يدلّ أن حقداً شعبياً قد نضج على الدولة وأمن الدولة وسينفجر في ساعة الصفر».
يشار إلى أن أجهزة الأمن الأردنية ألقت القبض على مرتكب الجريمة الأولى بعد ساعات قليلة واستعادت المبلغ المسروق وأحالته على الفور إلى المحكمة، لكن السلطات لم تتمكن من القاء القبض على مرتكب الجريمة الثانية بالدرجة نفسها من السهولة على الرغم من أن كاميرات المراقبة التقطت الجريمة بالكامل وسجلت ما جرى في البنك.