أجد نفسي أحيانا أمام ضرورة قراءة كتاب مترجم إلى العربية لخصوصية الموضوع أو للتعرف على صاحبه، أو لعدم العثور على كتابه بلغة أخرى أعرفها. عادة لا أنصح بقراءة المترجمات إلا في مثل هذه الضرورات القصوى التي يغيب فيها الأصل باللغة التي يمكن أن نعرف. وليس في هذا أي موقف من الترجمة، أو من المترجمين. إن الترجمة مهما كانت تظل ناقصة، وكيفما كان مستوى المترجم فإن عمله يظل بعيدا عن الأصل، ولاسيما عندما يقدم على ترجمة كتاب في تخصص معين لا علاقة له بأدبياته وخلفياته. أما ترجمة النصوص المتعلقة بالأخبار الصحافية أو التصريحات السياسية أو كل ما يتعلق بالحياة اليومية فلا ضرر فيها، بل إن الترجمة تصبح ليس فقط ممكنة بل ضرورية.
لكن ترجمة الإبداع والفكر والفلسفة والنظريات العلمية وغيرها من التخصصات التي تستدعي تكوينا معرفيا دقيقا، إلى جانب إتقان اللغتين الأصل والهدف، فأغلب الظن، أن الترجمة فيها تظل ناقصة، وإن تعاون عليها أشخاص من تخصصات متعددة، أو لهم مستوى ثقافي يؤهلهم لمعرفة تفاصيل هذا التخصص أو ذاك. بمعنى أن الترجمة حين يتصدى لها غير المتخصص في الميدان، فإنها تصبح ضررا كلها.
حدث مرة، بل إن هذا حصل لي مرات كثيرة، وهذا ما جعلني أنفر، في أغلب الأحيان، من قراءة أي كتاب مترجم إلى اللغة العربية، أن كنت أبحث في موضوع يتعلق بالمعرفة لدى إدغار موران. قرأت له عدة كتب ومقالات بالفرنسية، ووجدت معالجاته للأمور تتناغم مع ما أفكر فيه وأتبناه، بالقياس إلى مواقفي من مفكرين فرنسيين آخرين طبقت شهرتهم الآفاق، وترجمت الكثير من أعمالهم إلى العربية، وكنت أرى في بعضهم مولدي مفردات، وحواة يلعبون بالكلمات.
لغة إدغار موران صافية، سلسة، لا تمحل فيها ولا تعقيد، وهو منظر التعقيد. وطريقة عرضه لأفكاره تتسم بالترتيب والدقة والإيجاز، رغم أنه كثيرا ما يردد أفكاره في كتبه لأنها تتعالق فيما بينها، وهو الذي يؤمن بربط العلاقات المختلفة بين الأشياء. إن أفكاره، رغم التكرار المقصود، تعرض متطورة، من كتاب إلى آخر، وهو الذي يشدد على النقد الذاتي،،،
أن تستأنس بلغة مبدع أو مفكر أصيل معناه أنك صرت قادرا على التعرف على صوته وسط الأصوات، وعلى نغمته الخاصة بين النشازات. ولا يمكن أن يحصل ذلك إلا بكثرة قراءة إنتاج هذا الكاتب أو ذاك الباحث، بتمعن وإمعان. وكبار الكتاب والمبدعين لهم لغتهم الخاصة التي بها يتميزون عن غيرهم.
يسمح لك موران بمتابعة أفكاره في تسلسلها وتنسيقها. وأحيانا تصبح قادرا على سبقه إلى الفكرة التالية التي سيعرضها، بل واستباقه إلى ما يمكن أن يطرحه لاحقا وفق برنامج مضبوط ومحبوك. ويتم كل ذلك بنوع من الانسيابية الطبيعية التي تجد فيها فكرا ينمو ويتطور وفق هندسة معمارية محكمة. وحتى عندما يكون الاستطراد، والانتقال بك إلى إحدى المتاهات، تظل تحس بأنك لن تضيع، وستعود إلى السياق العام محملا بزاد جديد يساعدك على مواصلة الرحلة.
أسلوب موران علمي ومنهجي لا التواء فيه ولا لعب بالمفردات أو توظيف الاستعارات الطنانة التي يشغف بها بعض الفلاسفة، والتي لا يمكن أن تجد تحتها أحيانا كثيرة سوى أفكار بسيطة، مقدمة في جمل لا نهاية لها. لذلك فإن متابعة عرض أفكار موران، حين تستأنس بها، وتتفاعل معها، بشكل جيد، يحصل لك نوع من الألفة الفكرية والصداقة الحميمية التي قد تربطك بأعز أصدقائك إلى نفسك، فيكون الإمتاع والمؤانسة، وأنت في صحبة أفكاره. قد تنزعج أحيانا من بعض الإشارات، أو تتردد في قبول بعض العبارات،،، ولكنك تظل أبدا في مقام الأنس والمحبة والتواصل.
لم يكن لدي كتاب من كتبه، وهو بالمناسبة غزير الإنتاج، وكان مترجما إلى العربية منذ سنوات، فقلت مع نفسي سأصاحبه من خلال هذه الترجمة. قرأت مقدمة الترجمة، ووجدت فيها إلماحات إلى فكر الرجل، وإحاطة ببعض قضايا تفكيره. لكني لم أتعد ثلاث صفحات من الكتاب، حتى بدأت أصاب بالدوار، وبخيبة أمل، ليس في الترجمة، ولكن في إدغار موران. إني صرت أتنحى عنه، وأبتعد منه. وكل ما تشــكل لدي من علاقة حميمية معه وطريقة تفـــكـــيره في عصــرنا، انقلبت إلى ضدها. صــارت الألفة غرابة. بل إني صرت أشـــك في أن يكون هذا صاحبي. ما الذي غيره عني؟ وفجــأة وجدتني أصرخ، في وجه موران، بعنف: أنت مفكر أصيل وعميق؟ فما الذي دفعك إلى اقتحام هذه اللغة الجميلة، والدقيقة والأنيقة؟ أنى لك، ياصاح، التفكير باللغة العربية، وأنت لا تتقنها؟
أغلقت ملف الكتاب، متأسفا على الاستسهال الذي تمارس به الترجمة في لغتنا، وأنا أجدد تساؤلاتي عن الذين لا يتقنون غير لغة واحدة كيف يمكنهم أن يمارسوا التفكير، وأنى لهم فهم القضايا المعقدة، ويستوعبوها، ليقارعوا الآخر، ويسهموا في الحوار معه، ويعملوا على تجاوزه؟ عدت إلى صاحبي، وصالحته في لغته، فوجدته جدولا رقراقا، فاستعدت الألفة، وأدمنت المعاشرة.
كاتب مغربي
سعيد يقطين