موسم أصيلة الثقافي يتساءل: هل العالم على أعتاب حرب باردة جديدة؟

حجم الخط
0

أصيلة ـ «القدس العربي»: دشنت مؤسسة منتدى أصيلة موسمها الثقافي بندوة فكرية في موضوع «قدما إلى الماضي: نحو حرب باردة عالمية جديدة؟»، إذ تمحورت أسئلتها الأساسية حول إمكانية اعتماد هذا المفهوم لوصف ما يشهده العالم حاليا، ومدى اعتبار الحرب الباردة بديلا عن الحروب التقليدية. كما سعت أشغال الندوة، التي تدخل في إطار جامعة المعتمد بن عباد الصيفية، إلى التعرف على أطراف الحرب الباردة الجديدة وخلفياتها وأهدافها وخطاباتها، في سياق النظام الدولي الجديد. وقد تباينت الآراء حول مفهوم الحرب الباردة، الذي استعمل عنوانا لأولى ندوات موسم أصيلة الثقافي السابع والثلاثين، إذ اختلفت الآراء بين من يعتبر المفهوم ملتبسا وغامضا، ومن يشكك في مدى مطابقته للوضع العالمي الراهن، وبين من يرى فيه الوصف الدقيق لما يجري في عالم اليوم من صراعات ونزاعات قاتلة، غير أن هناك من يرى ضرورة البحث عن توصيف جديد يلائم التغيرات العالمية الراهنة.
في هذا السياق، تساءلت الباحثة البرازيلية سيسيليا بايزا عن التحديد الدقيق لمفهوم الحرب الباردة، مشيرة إلى أن هذه الكلمة الملتبسة تفيد بوجود تنافس بين دولتين أو أكثر، وأحيانا خصومة صريحة بينهما. كما اعتبرت أن المفهوم يفيد، حسب نظرية السياسة الواقعية، حالة اللاحرب، أو تعليق الحرب وشلّ الصراعات العنيفة. أما من الناحية العملية، فهي ترى أن أدوار الصين وروسيا تقدم بعض الملامح التي تسمح بظهور حرب باردة، بالنظر إلى أثرهما في تحقيق التوازن على الصعيد الدولي.
ولا تمثل الحرب الباردة، حسب الكاتب والباحث المغربي تاج الدين الحسيني، مجرد مفهوم يحيل إلى سؤال محدود، بل هي تطرح إشكالية كبرى تقتضي مقاربتها مراجعة تاريخية، وإعادة النظر في معنى الحرب الباردة، ومعرفة الاختلافات بين الحرب الباردة الأولى والثانية، وكذا تحديد الوسائل الممكنة لتصحيح الأخطاء وبناء المستقبل. في هذا السياق، عرف الحسيني الحرب الباردة بكونها نموذجا من التوتر بين دولتين عظميين بوسائل غير عسكرية (الحرب الباردة 1945- 1989). وأشار المحاضر إلى أن وسائلها البديلة تكمن في حرب التحالفات أساسا، وتوظيف حرب الدعاية (كالإشارة إلى الاتحاد السوفييتي باعتباره إمبراطورية الشرّ)، وظهور الأحادية القطبية على المستوى العسكري والاستراتيجي.
من جهة ثانية، وصف الحسيني الفترة الراهنة بكونها تتميز بتعدد أقطاب الصراع، ودخول أطراف أخرى على الخط الفاعلة، كالمنظمات غير الحكومية، وحركات الإرهاب، الخ.
أما لويس أمادو، وزير الخارجية البرتغالي السابق، فقد اعتبر الحرب الباردة الجديدة مفهوما خاطئا وخطيرا في الآن. لكنه وصف ما يعيشه العالم اليوم بالأنفاس الأخيرة من الحرب الباردة التي انطلقت سنة 1945، إذ بنى فكرته هذه على عدة مؤشرات منها: ضعف الدولة، وانبثاق الأسواق الدولية الكبرى كفاعل جديد. وذهب يوسف وودراووغو، رئيس الوزراء السابق في بوركينافاسو، في الاتجاه ذاته، حينما اعتبر أن المطلب اليوم هو البحث عن حلفاء استراتيجيين، مثلما فعلت دول أوروبا الشرقية بانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، مشيرا إلى أن من يملك الاقتصاد يملك السياسة أيضا، لكنه دعا، في المقابل، إلى إعادة النظر في التوازنات الدولية اليوم، والعمل على تطبيق نظرية تدارك التأخر، التي دعا إليها العديد من المنظرين والفاعلين الاقتصاديين، أمثال الهندي أمارتيا صن.
من جهته، اعتبر الباحث المغربي مختار بنعبدلاوي أن الحرب الباردة تمثل الوضع الاعتيادي في العلاقات الدولية، حيث أشار إلى أنها تمثل الانتقال من استعمال النار إلى استعمال وسائل ذات تكلفة أقل. كما أوضح أن اتفاقية «وستفاليا» غيرت بنية الحدود (1948)، وأنشأت مفهوم السيادة، منبها إلى أن «أمير» مكيافيللي يعتبر الإطار المحرك لكل المفاهيم الجديدة التي يؤسسها علم السياسة الحديث. وانطلاقا من هذا الإطار النظري، اعتبر بنعبدلاوي، في مداخلته التي ألقاها خلال اليوم الثاني من ندوة «قدما إلى الماضي: نحو حرب باردة عالمية جديدة»، أن مكيافيللي ساعد بنظريته على فصل الدين والأخلاق عن السياسة. لكنه أشار إلى أن هذا الفصل غول يبتلع كل شيء، بحيث أنها باتت تتعامل وفق منطق الربح، حتى لو تطلب ذلك استعمال العنف. في هذا السياق، طرح المتدخل السؤال الآتي: هل يعيش العالم حربا باردة جديدة؟ وقد أجاب بالقول إن العالم يعيش حربا باردة جديدة بأشكال جديدة، تختلف تمام الاختلاف عن الحرب الباردة المعروفة لدى الجميع. وقد ذكر بأن الغاية من هذه الحرب هو توزيع المكاسب والأسواق. وأوجز أهم مظاهرها في فشل عصبة الأمم في تسوية النزاعات والخلافات الدولية، وحاجة المجتمع الدولي آنذاك إلى إطار دولي جديد، واستعمال السلاح النووي مرتين خلال الحرب العالمية الثانية، الخ.
وإذا كان بنعبدلاوي يرى أن الحرب الباردة اليوم تختلف عن الحرب الباردة البارحة، فإن فكتور بورغيس، وزير الخارجية السابق في الرأس الأخضر، يعتبر أن ما يراه البعض حربا باردة قد يكون حربا ساخنة في نظر البعض الآخر، متسائلا في الآن ذاته عمن يصوغ هذه المفاهيم ويروجها في العالم كله. إذ نبّه بورغيس إلى أن هناك واقعا دوليا جديدا يصوغه فاعلون خارج الدولة، وأن هذا الواقع موسوم بتناقض بين فكرة الديمقراطية وفكرة الهيمنة الدولية. ذلك أنه لا يمكن، حسب قوله، ممارسة الديمقراطية في ظل هيمنة سياسة القوى.
ومع ذلك، يستدعي هذا الوضع الحرج في العلاقات الدولية بعض المخارج، إذ يرى فوك جيرميك، وزير الخارجية الصربي الذي ترأس الأمم المتحدة في دورة بلاده، أن مدخل التنمية الاقتصادية هو الرهان الأساس مستقبلا. وفي السياق ذاته، أشار إلى أن القوى الاقتصادية الناشئة، مثل الصين، قادرة على أن تخلق توازنات جديدة في العالم. أما شوكت عزيز، رئيس الوزراء الباكستاني السابق، فقد اعتبر أن العالم يحتاج إلى «زعماء يقودون الأجيال القادمة، لا الانتخابات المقبلة، زعماء يحملون على عاتقهم مسؤولية التغيير وتعزيز ثقافة السلام». في حين، اقترح يوسف العمراني، الوزير المغربي السابق المنتدب في الشؤون الخارجية، أن تغير الأمم المتحدة، خاصة مجلس الأمن، منهج تدبير النزاعات الدولية، والعمل على إيجاد نظام جديد في الشرق الأوسط على وجه الخصوص.

محمد جليد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية