تونس ـ «القدس العربي»: في حوار إذاعي سريالي أقرب لحكايات شهرزاد، يسترسل الفنان التونسي قاسم كافي في الحديث عن زياراته المتكررة لإسرائيل خلال حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي، مشيدا بـ«الاحتفاء الكبير» به من قبل الإسرائيليين الذين ما زال يحفتظ بعلمهم في منزله حتى اليوم!
وحين يقطع مقدم البرنامج سرده «الشغوف» لمغامراته في تل أبيب، ليذكّره بأن الإسرائيليين يقتلون الفلسطينيين يوميا، يرد الفنان الشعبي «أنا تونسي ولست فلسطينيا!»، مشيرا إلى أنه غنى لليهود في إسرائيل وهم – برأيه – لا يختلفون عن نظرائهم في تونس.
كافي لم يكن الفنان التونسي الوحيد الذي غنــى في تل أبيب، فقد أرســل نظام بن علي عشرات الفنانين لإحياء حفلات عدة في تل أبيب، في إطار ما عُــرف حينــها بالتطـــبيع الثقافي مع الكيان الصهـــيـــوني والذي ترافق أيضا مع تطبيع اقتصادي حيث تم افتتاح مكتب لتـــونس في تل أبيب منتصف تسعينيات القرن الماضي، أشرف عليه وزير الخارجية الحالي خميّس الجهيناوي، قبل أن يتم إغلاقه عقب اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية.
تصريحات كافي أعادت للأذهان شريط فيديو مثير للجدل لفنان تونسي آخر هو محسن الشريف الذي زار إسرائيل عام 2010 وأحيا حفلات عدة في مدينة إيلات، حيث ردد في إحدى حفلاته «يحيا بيبي نتنياهو!» معتبرا أن إسرائيل «جنة»، قبل أن يعتذر لاحقا من التونسيين.
هذه الأحداث وغيرها تجعلنا نتساءل: لماذا رفض البرلمان التونسي السابق تضمين الدستور لفصل يجرّم التطبيع مع الكيان الصهيوني؟ ولماذا تأخّر البرلمان الحالي في المصادقة على القانون الجديد الذي يجرّم التطبيع الفني والثقافي معه؟ إلا إذا كان ما يُروج له نواب المعارضة حول وجود «نية» لدى الحزب الحاكم لتعطيل هذا الأمر لغاية ما نجهلها، صحيحا. فذلك أمر آخر!
يوم غضب يكفي
من كان يتصور أن ينتهي التصعيد وحالة «الغضب» الكبيرة التي عبّر عنها عشرات الصحافيين التونسيين إثر تزايد التضييق والملاحقة الأمنية ضدهم، على أعتاب قصر قرطاج؟
لا أحد يشك في حنكة سياسي ودبلوماسي متمرّس كالرئيس التونسي الباجي قائد السبسي الذي يعرف – دون شك – من أين تُؤكل الكتف، ولكن أن يخرج علينا نقيب الصحافيين ناجي البغوري والذي لطالما اتهم قصر قرطاج باتباع سياسية الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي في التضييق على الإعلام، بعد لقاء قصير مع قائد السبسي، ليشيد بـ«رد الفعل الإيحابي والالتزام الحقيقي بعدم المس بحرية الصحافة والتعبير» الذي لمسه لدى الرئيس التونسي، معلنا (ضمنيا) انتفاء السبب الذي غضب من أجله الصحافيون، فهذا أمر مثير للاستغراب والسخرية في آن.
ولكن يبدو أن البغوري أُصيب بالذهول في حضرة الرئيس، وهو داء عادة ما يصيب زائري «قرطاج» فلا يُحسنون التعبير عن أفكارهم بشكل جيد! أو قد يكون التصعيد الإعلامي هو أقصر الطرق لاقتناص مقابلة مع الرئيس وسط جدول المواعيد المُتخم في قصر قرطاج، ولذلك يصحّ القول إن «يوم غضب» واحد يكفي للقاء الرئيس التونسي!
التلفزة الوطنية تمارس التمييز
في سابقة جديدة، رفض عماد بربورة مدير قناة «الوطنية الثانية» الرسمية بث خطاب القَسم للنائب التونسي الجديد ياسين العيّاري، وهو ما تسبّب بإقالته بعد ساعات من منصبه، كما أثار فوضى عارمة داخل البرلمان التونسي وسط اتهامات متكررة من نواب المعارضة للتلفزيون الرسمي بالتخلي عن دوره الأساسي وخدمة أجندة الحزب الحاكم وممارسة الرقابة على نواب المعارضة.
ما قام به بربورة من حجب لصوت أحد نواب المعارضة، يُذّكر بما فعله زميله الإعلامي شاكر بالشيخ مقدم برنامج «75 دقيقة» على قناة «الوطنية الأولى» قبل أيام، حين تقمّص دور البوليس محاولا «استنطاق» الناشط قصي بن فرج عضو حملة «فاش نستناو» (ماذا ننتظر) التي تقود احتجاجات معارضة للحكومة، حيث حاصر ضيفه بالأسئلة المطعّمة بجملة من الاتهامات للحملة على أنها تحاول إحراق البلاد.
ويبدو أن بربورة وبالشيخ لم يدركا حتى الآن أنهما يعملان في قناة «وطنية» يُفترض أنها ملك للشعب الذي تستنزف جيبه شهريا، وليست ناطقة باسم الحكومة أو الحزب الحاكم. هذا – بالطبع – من دون الحديث عن أخلاقيات المهنة والتي باتت عملة نادرة في أغلب وسائل الإعلام العامة والخاصة في تونس.
«التبشير» يأتيكم الآن
نبقى في التلفزيون الرسمي التونسي ولكن من زاوية مختلفة هذه المرة، حيث تتعرض قناة «الوطنية الأولى» منذ أيام لهجوم متواصل واتهامهات تتعلق بـ«التبشير» والترويج للمسيحية ومعاداة الإسلام، لسبب بسيط هو بثها لبرنامج ثقافي يقدّمه إعلامي «مسيحي»!
الأمر حقيقة وليس «مزحة»، فبمجرد بث برنامج «مش ممنوع» الذي يُعدّه ويقدّمه الإعلامي د. عماد دبّور (تونسي مقيم في لبنان) ويستضيف فيه عددا من المبدعين العرب في مجال الفكر والثقافة والفنون، تعالت الأصوات المندّدة بالقناة وبالإعلامي الذي تحوّل لدى رجال الدين إلى «قس نصراني» يحاول تشويه صورة الإسلام، رغم أنه لم يتعرض في برنامجه إلى أي موضوع ديني.
عموما، هذه ليست المرة الأولى التي يحاول فيها السياسيون ورجال الدين في تونس ركوب الأحداث وتضخيمها لمصلحتهم، فحين يكثر منجمو السياسية والدين، تُغيّب الحقيقة وينشغل الناس بصغائر الأمور، ألم يقل ابن خلدون إن «الفتن التي تتخفّى وراء قناع الدين، تجارة رائجة جداً في عصور التراجع الفكري للمجتمعات»؟
حسن سلمان