موسم العيد الفضائي يعرض أردنين جديدا وقديما… وفضائيات أفسدت بهجتنا في العيد وأخرى تبث اليأس والقهر

 

أسوأ ما بعد الموسم الرمضاني في الفضاء العربي، هو موسم العيد، حيث تتنافس المحطات على فترة لا تزيد عن أربعة أو خمسة أيام في تقديم توليفة «عيد» بعناوين برومو تصميمها الغرافيكي غالبا إحتفالي كرنفالي، يبدأ ببرامج حوارية في الاستوديو، غالبا ما يكون ضيوفه نجوم الأعمال الرمضانية أو قراءات «غير منهجية» لأعمال رمضان، والاستوديو متخم بالتمر والقهوة والضحك على الهواء… والذقون.
وحدها قنوات الأخبار العربية، تحافظ على كآبتها الخبرية، وتطيح بك من تأثير الترفيه فتطرحك بقوة على أرض الواقع العربي، وتذكرك أنك عربي… محاصر باليأس والقهر والتشتت، وأنك مشبع بالهزيمة.
ووحدها «جويل» على «أم بي سي» تخاطب قوما لا أعرفهم، بلغة لا أعرفها من خلال ضيوف يتحدثون لغتنا، لكنهم غريبون عنا، غرابة الوجه واليد واللسان… والجفون والرموش.

أردن مقسوم عموديا وافقيا

على قناة «رؤيا»، كانت هناك «لمة عيد»، في استوديو القناة، احتفلوا فيه بنجوم «ساعة الكوميديا».
ليست عندي مشكلة مع ما أراه بفقرة «لمة عيد»، ولا هذا الرهط ممن يقدمونهم كفنانين كوميديين أردنيين «المذيعة تقول إنهم يمثلون الأردن!!».
لكن.. أنا الآن أمام قناعة أن الأردن مقسوم عموديا وافقيا.
هناك منطقة كما يبدو في عمان هي أردن بحد ذاتها، بكل مكوناتها وثقافتها وروحها الخاصة أردن جديد، غير الذي نعرفه.
ما يضحك «الأردن الجديد»… أعتقد لا يضحك الأردن القديم… والعادي الذي نعرفه.
الأردن القديم والعادي، هو جغرافيا جامعة للمدن والقرى والمخيمات والحارات الأخرى، التي تقع خارج جغرافيا تلك المنطقة من عمان وخارج بث «رؤيا» طبعا. وفعلا، فإن الوطن ليس جغرافيا نسكنها بقدر ما هو الذاكرة التي تسكننا.ومن نوافل ما بعد موسم رمضان، وموجبات ما بعد العيد، متابعة ما فاتك من دراما لم تكن مبرمجة على جدول أعمالك الرمضاني، وملاحقة تلك المسلسلات، التي تعيد بثها قنوات عربية لم تفعل في الموسم نفسه.
عندي قائمة صغيرة، على رأسها مسلسل «الهيبة»، الذي تابعته متقطعا، وجذبني إليه الأداء الأسطوري في ما تيسر مشاهدته للممثل السوري تيم حسن، والعملاقة منى واصف.
لكن، من بين القائمة كذلك، مسلسلان أردنيان، تم إنتاجهما بدعم من التلفزيون الوطني الأردني (مما يعني أن دافع الضرائب الأردني المسخم هو المنتج الفعلي)، ولنا منذ عام حكاية على ضفاف هذا الإنتاج تواصلنا فيها مع رئيس مجلس إدارة التلفزيون، محذرين إياه – وهو أستاذ نحترمه – من الفساد المستشري في إدارة التلفزيون، والمحسوبية، التي تحكم الإدارة فيه، وقمنا بمبادرة بالتواصل مع أحد مخضرمي الإخراج الدرامي في الأردن والعالم العربي، الأستاذ حسن أبو شعيرة، الذي قدم فكرة لأكثر من نص درامي رفيع المستوى للتلفزيون، لعل وعسى نخرج من دائرة الشللية بين نقابة الفنانين بإدراتها التجارية الحالية، وإدارة التلفزيون العميقة والمختبئة بين ثنايا الحماية الأمنية والنفوذ الشبحي.
التواصل كان جيدا، لكنه انقطع بعد اعتداء آثم وغريب تعرض له رئيس مجلس الإدارة، الذي كان يحمل أفكارا ثورية للنهوض بالمؤسسة، لينتهي الأمر بصمت مطبق وعودة الأمور إلى خمولها المعتاد، وهو ما أفضى إلى إنتاج مسلسلين دراميين قرأت نقدا لهما أكثر مما قرأت إشادة، وهو ما دفعني إلى التسلل ومتابعة اليسير من كل منهما، لأجدني أمام دهشة تساؤل حول صحة ما قيل إن انتاجهما كلف المواطن الأردني أكثر من مليون دينار، ومما رأيته فالإنتاج محصلته الفنية لا تساوي أي قيمة فنية معقولة.
قررت متابعة المسلسلين – وبالله المستعان – مستخدمين تقنية الانترنت التي توفر لنا تلك الميزة. وبعدها لكل حادث حديث.

حينما كان التلفزيون مؤنسا حقيقيا

كثيرا ما نتساءل في كل عيد، لماذا كان التلفزيون في حقبته الطبشورية ما قبل الفضائيات، أكثر متعة في موسم العيد على محدودية إمكانياته، وعدم انتشار الفضائيات.
كنا في تلك الحقبة مستمتعين بما يلتقطه الأنتين» على سطح الدار، من محطات أرضية لا تتجاوز في أحسن حال ثلاث أو أربع محطات، كلها لها ساعات بث محددة بالوقت، ولها نهاية إرسال نعرفه بتلك الشارة الكروية الملونة ذات الرموز التي نجهلها.
كان الإرسال في العيد، استثنائيا يبدأ في وقت مبكر، بأجواء كرنفالية ومسرحيات من الزمن الجميل، وبرامج حوار معدة بعناية، وضيوف تستمتع معهم ويحترمون اقتحامهم لبيتك في أيام العيد.
كان التلفزيون مؤنسا حقيقيا.. وبرامجه تصنع الترفيه بعفوية.
اليوم، ومع كل هذا الكم الهائل والخرافي من الفضائيات العربية، تجد نفسك بين إغفاءة وضجر أغلب الأحيان، وقد ضاعت ذائقتك في متاهات المنافسة الترفيهية المصطنعة ذات الإنتاج الضخم.
في اعتقادي الشخصي أن نظرية العرض والطلب، والتي تنسحب على سوق الترفيه التلفزيوني، أفسدت البهجة التي كنا نعيشها أيام كان التلفزيون يعرض ولا نطلب، وكان القائمون على المحطات من «المدرسة القديمة» يعون ويدركون ذائقة الناس، ويحاولون ترجمة البهجة قدر الإمكان بالصوت والصورة.

إعلامي أردني يقيم في بروكسل

موسم العيد الفضائي يعرض أردنين جديدا وقديما… وفضائيات أفسدت بهجتنا في العيد وأخرى تبث اليأس والقهر

مالك العثامنة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية