موسم تكريم الفساد في مصر

■ لا أحد يستطيع أن يتخفى وراء ظل أصابعه، ولا أن يحجب بيده نور الشمس، ولا أن يلبس الفساد حجابا ولا نقابا، فالفساد يتوحش في مصر، ويحكم قبضته على قرار التنفيذ والتشريع، ولا يتأثر بجروح ولا رضوض تصيبه، من نوع المطاردات الرقابية التي تجري هنا أو هناك.
والقبض على مسؤول أو آخر بتهم تلقي الرشاوى، فكلها ضربات متفرقة، لا تصيب الفساد في قلبه، ولا تتطلع لإنهائه بالضربة القاضية، ولا تفكك سلطته كنظام حكم وثقافة شائعة مهيمنة، بل تضيف إليه مددا وزادا جديدا، وتلهي الناس بتداعي الحوادث المفرقة عن أصل الداء، ووضع المقدرات كلها في خدمة سلطة الفساد، وإقامة حفلات وحملات لتكريم الفساد والفاسدين، وجعل سلوكهم فوق القانون والمساءلة وحقوق التقاضى، بل وفوق الدستور نفسه، وإقامة نظام قانوني شامل لتحصين الظالمين والنهابين، وجعلهم في مكانة الأسياد لا اللصوص، وعلى طريقة قانون تحصين عقود الدولة، والتعديلات المفزعة على قانون الكسب غير المشروع، التي تتيح التصالح في نهب المال العام، وتجعل أحكام القضاء حبرا على ورق، التي سبقها القرار بقانون رقم 4 لسنة 2012، والمعروف إعلاميا بقانون التصالح مع رجال الأعمال، ولم تنته كلها إلى استعادة مليم واحد من مئات المليارات المنهوبة، بل بدت كفرصة «أوكازيون» مفتوح، وموسم مجاني لتشجيع السرقات والحث على المزيد، وتصوير السارقين كأنهم من أولياء الله الصالحين (!).
وربما لا تكون من قيمة كبيرة ولا صغيرة لأحاديث طنانة عن استراتيجيات مكافحة الفساد، وتشكيل اللجان تلو اللجان، وتصدير الإيهام بأن كل شيء تمام، فأسهل طريقة بيروقراطية لدفن أي موضوع، هي تشكيل لجنة، وهي طريقة يعرفها الظالمون أيا كانت درجة تعليمهم ودرايتهم، وحتى الشاويش علي عبد الله صالح فعلها حين كان يحكم اليمن، فقد ضج المتنورون اليمنيون من عادة «تخزين القات»، وقضاء اليمنيين لنصف وقتهم في مضغ وتخزين القات، والتلهى بالنبات الأخضر المخدر، وتحويل الأفواه إلى بالونات منتفخة، وكان من مصلحة الشاويش صالح، كما من مصلحة أي طاغية فاسد ناهب مثله، أن يبدي التجاوب الصوري مع دواعي رفض العادة الكريهة المؤذية، وأن يتظاهر هو الآخر برفض عادة «تخزين القات»، وأن يشغل الناس عن سرقاته وتضخم فساد عائلته الحاكمة، فأمر بتشكيل لجنة عليا لمكافحة تخزين القات، وعقدت اللجنة مئات الاجتماعات، وتلقت الحوافز وبدلات حضور الجلسات، ثم اكتشف الناس في النهاية خديعة اللجنة العبثية، وعرفوا أنها كانت تمضى وقت اجتماعاتها الطويلة في تخزين «القات» الذي تحاربه. وضحك الشاويش صالح من سذاجة الذين صدقوه، فهو يريد من الناس أن يتلهوا عنه بتخزين القات المخدر للأعصاب، ولا بأس إن أضاف إليهم وجبة قات جديدة، ودعم عملية تخزين القات بتخزين اللجنة نفسها. وما حدث في اليمن يحدث في مصر، بل أن البيروقراطية المصرية هي التي علمت الآخرين حيل تشكيل اللجان، وربما لا نحتاج إلى بحث كثيرعن اللجان إياها، فاللجان في كل مكان، خذ عندك ـ مثلا ـ سيرة اللجان التي تشكلت لاسترداد الأموال المنهوبة، وقد صرفوا على اجتماعاتها سبعين مليون جنيه من خزانة الدولة المنهكة، بدون أن تسترد اللجان مليما واحدا من الأموال المهربة للخارج، وبدون أن يتوقف تشكيل لجان أخرى تتكاثر كالفطريات، تغرف هي الأخرى من مال الدولة، وتستمتع بالحوافز وبدلات السفر وإقامة الفنادق، وعلى طريقة ما يقال لك من استعداد وزير العدل أحمد الزند لزيارة سويسرا، ومواصلة البحث مع سلطاتها في قضية استعادة 590 مليون فرنك سويسري مسجلة بأسماء مبارك وجماعته، رغم أن الأمر صار قضاء مقضيا مع زيارة النائب العام السويسري الأخيرة للقاهرة، التي كلفت خزانة الدولة مصاريف ضيافة بمئات الآلاف من الجنيهات، ولم تسفر سوى عن بيان الخيبة الثقيلة، وإعلان النائب العام السويسري عدم اعتداده بحكم محكمة النقض القاضي بإدانة مبارك، ورغم ما جرى ويجري، يواصلون الضحك على ذقون الناس، ويحولون لجانهم إلى مجاري استنزاف ونهب وفساد مضافة، وتأمل ـ من فضلك ـ عدد اللجان التي شكلوها بدعوى استرداد قيمة أصول منهوبة في الداخل بعد ضياع المليارات المهربة للخارج، وخذ عندك ـ مثلا ـ لجانا شكلتها الحكومات المتعاقبة، وواصلت اجتماعاتها الطويلة في الفحص والدرس وإعداد القوائم، واكتشفت حقوقا مضيعة للدولة في أراضي المجمعات العمرانية وعلى الطرق الصحراوية، بلغت قيمتها ما يناهز التريليون ـ أي الألف مليار ـ جنيه مصري، وبدا لوقت أن المسألة قد تنقلب جدا، ثم سرعان ما انتهت إلى هزل عظيم، وظلت الحكومة تعطي المهلة إثر المهلة للحيتان الناهبين، وتوحي بأنها قد تتخذ إجراءات عنيفة ضدهم، وأنها قد تسترد الأصول المنهوبة، ثم لم تسفر القصة كلها عن استعادة مليم إلى الآن، وألهوا الناس بدراما القبض على وزير الزراعة، ومحاكمته على رشاوى «البدل» و»الكرافتات» وتذاكر الحج والعمرة، بينما ضربوا صفحا و»طناشا» عن مئات المليارات الضائعة، ثم انتقلوا إلى خدعة جديدة، هي مفاوضات التصالح مع الناهبين القدامى والجدد، عبر وزير العدل وجهاز الكسب غير المشروع، وأعلنوا عن عروض لاستعادة عشرات المليارات لا مئاتها، وبدون أن تنتهي القصة إلى شيء حتى الآن، فلم تجر استعادة مليم لا بالمحاكمات ولا بالمصالحات، ويحاولون ستر المخبوء الآن بحديث عن انفراج قريب، وعن إمكانية استعادة نحو 500 مليون جنيه من أربعين لصا كبيرا، وكأننا بصدد استعادة سيناريو «علي بابا والأربعين حرامي»، مع العلم أن المخلوع مبارك رفض دفع 147 مليون جنيه مقابل توقي حكم الإدانة الباتة من محكمة النقض، ولا بأس عندهم من إثارة غبار كثيف للتخفي بالسرقات، وعلى طريقة تشكيل ما سموه «لجنة تقصي الحقائق»، وشغل الناس بقصة هشام جنينة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، الذي يحاصرونه ويحاكمونه لأنه قال بعض الحقيقة الثابتة بالوثائق، وأعد تقريرا عن تكاليف الفساد في أربع سنوات مضت، انتهى فيه إلى تقدير فاتورة الفساد بما يساوى 600 مليار جنيه، مع أن الرقم أقل بكثير من الحقيقة، ولا يأخذ في حسابه تكاليف الفرص الضائعة، ولا فساد المليارديرات الذين لا تمتد إليهم رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، لكنهم يريدون عقابه، وجعله أمثوله وعبرة للآخرين، وحتى لا يفتح أحد فمه بكلمة تجترئ على مقام الفاسدين، فالمطلوب هو «تبييض وش» الفساد، وجعله على العين والرأس، وإقامة حفلات لتكريمه، وربما منح النياشين والأوسمة لكبار الفاسدين، والاكتفاء بتقديم أكباش فداء من صغار المرتشين ذرا للرماد في العيون.
وقد تصوروا أن قرارات حظر النشر قد تغلق الملف، مع أن هذا النوع من القرارات لم يعد يفيد أحدا، ولا يطفئ نارا، فملف الفساد قضية رأي عام بامتياز، بل هي قضية القضايا في مصر الآن، وإذا منعوا الصحف والإذاعات وقنوات التلفزيون من النشر، وهددوها بالعواقب وسوء المآل، فإن هذا كله لن يكمم الأفواه، ولن يحظر النشر على شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، وكلها فضاءات حرة لا تقيدها قرارات النيابة ولا السلطات، وسعة انتشارها أكبر من كل وسائل الإعلام التقليدي، ثم أن الفساد ينشر نفسه بنفسه، وتزكـــم رائحته الأنوف، ويلمسه كل مواطن مصري في حياته اليومية، وهو ما قد يثير الريب في قرارات حظر النشر، ويقطع بعدم جدواها، فوق العوار المتعلق بمصادرتها الغليظة لحق الناس الدستوري في المعرفة، وهو ما أكد عليه حكم أخير للقضاء الإداري، تضمنت حيثياته تنديدا بليغا بقرارات الحظر، واعتبرتها منافية لحقوق الناس في استقاء المعلومات الصحيحة، ووسيلة لإحلال الشائعات محل المعلومات، أي أنها تحقق الغرض العكسي تماما، وتثير البلبلة بأكثر مما تبعث على الثقة، فوق أنها ـ فيما نرى نحن ـ عودة لقرارات وقوانين «أهل الكهف»، فلم يعد ممكنا في عصر ثورة الاتصالات حجب أي شيء، ولم يعد لقرارات المنع والحظر من تأثير واقعي يذكر، وكان الأجدر بسلطة النيابة العامة أن تنأى بنفسها عن الالتباسات، خاصة في قضايا الفساد ذائعة الصيت، فقد صار الناس يعلمون حقيقة ما جرى قبل قرار حظر النشر، ويعرفون أن بيان ما يسمى «لجنة تقصي الحقائق» مزيف بالكامل، وأنه جرى إعداده حتى قبل اجتماعات اللجنة، وتعمد حجب نصوص تقرير هشام جنينة الأصلي، وتصويره للناس على أنه تقرير مبالغات متعلقة بفساد قديم لا حديثا، وقراءة عبارات التقريرعلى طريقة «ولا تقــــربوا الصلاة»، والإفـــراط في «القــص واللصق» على نحو بالغ الفجــــاجة، وبهدف تضليل الناس لا تقصي الحقائق، وعندما شاع خبر التزييف المقصود في بيان اللجنة إياها، وتبين أن تقرير جنينة كان دقيقا وصحيحا، وأن الرقم الذي ذكره كمتوسط سنوي لتكاليف الفساد واقعي جــــدا، وأقل بكثير من الرقــــم الذي توصــــلت إليه دراسة أحالتها وزارة التخطيط جرت بالتعاون مع البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، فقد ذكرت الدراسة أن تكاليف الفســاد سنويا تصل إلى ما يزيد على 257 مليار جنيه، بينما رقــــم تقرير هشـــام جنينة ينزل بالرقم سنويا إلى حدود المئة وخمسين مليار جنيه، حين تكشفت الحقيقة أو كادت، وبدا أن السحر قد ينقلب على الساحر، أرادوا «كفي الماجور» على الخبر اليقين، وستر عورات لجان وحفلات ومواسم تكريم الفساد.

٭ كاتب مصري

عبد الحليم قنديل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية