الجزائر – سلمى قويدر: «ما من صداقة تحتمل مقداراً مبالغاً فيه من الصّراحة»، هكذا قال إيميل سيوران. مجابهة أحد برأي ما، مهما بلغت صحته أو صدقه، قد تودي بالعلاقات الإنسانية. كيف يصبح الأمر يا ترى حين يكون المُصارح مجهولا؟
انتشرت مؤخّرا الكثـير من التّطـبيقات الّتي تقتـرح على المتصفّحيـن تجربة لعبـة الحقيـقة والصّـراحة، لكنّ أبرز مـوقع كـان بـلا منـازع موقـع «صراحـة».
لم يكن زين العابدين توفيق، مصمم هذا الموقع يدرك كمَّ الأبواب الموصدة التي شرّعها على دواخل النفوس البشرية الكاتمة لآراء مهولة تجاه الآخر. وكذلك، لحجم المتابعين الشباب من العرب الذين اقتحموا الموقع لكتابة المكنونات السلبية والإيجابية التي احتفظوا بها كثيرا في قرارة أنفسهم، ليصبح هذا الموقع الأشهر والأكثر تصفحا عربيا.
مهندس البرمجة السّعودي الشاب، خريج جامعة الملك فهد، قام في شهر نوفمبر/تشرين الأول من سنة 2016، بخطوة جريئة أتاحت للملايين من رواد «فيسبوك» و«تويتر» العرب خاصّة، أن يعبّروا بأريحية عن آرائهم تّجاه أصدقائهم وغير أصدقائهم ممّن يتابعون، مستغلّين خاصّية الرّسائل مجهولة المصدر، ليرسلوا بها كلّ ما يبتغون قوله بصراحة، لكلّ من يمتلك حسابا على هذا الموقع، خاصة من يعلنون من خلاله رغبتهم في تلقّي آراء صريحة وشجاعة من مقرّبيهم ومعارفـهم.
في الجزائر، وكبقيّة الدّول العربيّة، عبر موقع «فيسبوك» خاصّة، فتح هذا الموقع شهية عظيمة لدى مرتاديه لولوج عالم «الصّراحة الملثّمة»، انتشرت نوبات الفضول بسرعة رهيبة، الأمر الذي جعل الآلاف يدمنون تصفح الرسـائل في كلّ سـاعة.
قد يعود الإقبال المهول من هؤلاء على هذا الموقع، إلى حالات الخوف من المواجهة التي تعتري الشاب الجزائري والعربي عموما، فالاضطهاد المجتمعيّ الذي يعاني منه المرء هنا، يجعله حبيس الصّمت والخوف والخجل من قول الحقيقة، وهذا الموقع منـحه فرصـة حريـة تعبير مكفولة بالسّرية، فانهالت الجمـوع لتكـتب رسـائل الاعتـراف والمصـارحة.
فاق عدد المشتركين المليون، ووصل عدد الزّيارات لهذا الموقع إلى 2,7 مليون زيارة حسب إحصائية حديثة، كيف لا وقد منح قدرا كبيرا من الحرية التي افتقروا إليها لمواجهة الآخر بحقيقة ما، أو للتعبير عن المحبّة أو الكراهية اتجاهه.
ميزة هذا الموقع هي الجانب الكبير من الصّدمة النّفسية التي قد يتلقاها المرء عبر رسائل مجهولة تحتوي مشاعر متضاربة وغير متوقّعة الوقع بتاتا ممّن حوله، مما يجعل الشّعور بالشك والارتياب، طاغيين على التّفكير، ويصبح الجميع محطّ شكّ، حيث وصل الأمر بالبعض إلى تبادل الاتّهامات مع أصدقائهم، وتفجّرت رسائل الكبت الذي صمت دهرا، وصعدت إلى السّطح كمية مهولة من الأحقاد ومصطلحات البغض غير المبررة، ما جعل البعض يطلـّق ارتيـاد هـذا الموقـع لشـدّة حسـاسـيته وتأثّره.
عن هذا الموضوع، قال عمار بن طوبال، وهو باحث في علم الاجتماع الثّقافيّ، حيث صرّح أنّ «فكرة الاعتراف قديمة، وهي ذات – منشأ ديني – وفي أصلها كانت مرتبطة بالتّطهر، ولكنّ الانتقال من مجال الاعتراف بمعناه الدّيني العميق إلى مجال الصّراحة والمصارحة التي توفرها مواقع إلكترونية، يعني الانتقال من حالة صدق إلى حالة تمظهر، خاصة لما يتعلق الأمر بأسماء مستعارة لشخصيات تقدم على «اعترافات محسوبة»، ومصارحات لها غايات وأهداف مرتبطة بأشخاص معينين.
وأضاف، يفترض من يقومون بالاعتراف أنهم سيطّلعون عليها، وهذا ما يوجّه العملية لتكون نوعا من التسلية لا غير، بعيدا عن فكرة المصارحة والاعتراف التي تكون لها دوافع نفسية عميقة، وغالبا شعور ما بالذنب في حالة الاعتراف، ونيّة صادقة في إبراء الذّمة من المسارات غير المتوقعة لفعل تكون المصـارحة بشـأنه هـدفها راحـة الضـمير.
فيما يخص برنامج صراحة، بين أنّه لا يحمل أيّ شيء من هذا البعد الذي يمنح مصداقية للصراحة لأسباب عدة، أوّلا، كونه متاحا للجميع، وليس هناك أيّ مبرّر لمصارحة من لا نعرفهم. ثانيا: كونه، في حالة تواجد البعض ممن يعرفون بعضهم البعض ضمن مجال المصارحة، تتحول العملية إلى نوع من البوح العاطفي، التي غالبا ما تجابه بإدانة وسخرية من طـرف المجـاهيل الـذي يلجـون الـموقع.
ثالثا: معظم المصارحات تُجَابَهُ بإدانة، لأن ثقافتنا لا تتقبل هتك ستر الحياة الخاصة، ويتم رفض إزاحة الهالة عن الحياة الخاصة بطريقة سلبية حيث يقوم الكثير من المشاركين بتسطيح المصارحة للتحول تدريجيا إلى سخرية في غالب الأحيان.»