موقف التعليم من الأحداث الساخنة

■ في خضم السراء والضراء اللذين تحملهما لنا أنباؤنا المتفرقة، وكفة الضراء للأسف أكثر ترجيحا من كفة السراء، سمعنا أصواتا كثيرة: أصوات معلقين، أصوات مسؤولين تتخللها تساؤلاتنا الإعلامية المتنوعة، لنخوض جميعا في محفل البرامج الحوارية والمناظرات التلفزيونية التي يحاول الكل فيها الإدلاء بدلوه.
لكن صوتا بات غريبا على هذه التوجهات و»الخروجات» على الهواء، ولو اعتور كلامنا شيء من التقصير إن اعتبرنا هذا الصوت غائبا تماما.
هذا الصوت، هو صوت التعليم، وبالتعليم نعني المؤسسة التعليمية، أكثر من المدرسين الذين نضعهم هم أيضا في النهاية في خانة من «يخرج على الهواء» في شخص الأستاذ الجامعي. وإذا كنا سنهتم بالمؤسسة التعليمية في هذه السطور، فلأن خلافا لمعتقد شائع، معاذ الله أن تكون هذه الأخيرة عديمة الطاقة عندما يتوجب الخروج برسالة تعطي موقفا واضحا من تطورات أحداثنا الراهنة.
وأريد هنا التوقف عند فكرة أساسية، وهي أن مصطلح «موقف» لا ينحصر في مسألة أن تكون «مع» أو «ضد»… لكنه يتعدى موضوع سياقة الآراء ليضرب جذوره في تراب أصيل- بالمعنى القوي للكلمة- وهو تراب التكوين.
فتكوين الصبايا، ثم الشباب، موقف المواقف، من منطلق أن فكرة التكوين نفسها اختيار اتخاذ مسافة كافية بين الحدث الذي وقع في أسر فورية الحدوث، وردود الفعل التي تقتضي المرور عبر هذه المسافة، إذا اردناها مبنية على معلومات. فبمقدار المسافة التي تتخذها إزاء أحداث راهنة بمقدار ما يصبح لطرق التفكير وجاهة، فلا مسافة ممكنة من دون تطعيمها بالمعرفة.
لا نتصور من المحلل أن يأتي بكلام من قبيل ”الخير هنا والشر هناك”، نتوقع منه أن يعزز كلامه بمفاتيح تفك شيفرات وتكشف عن مطبات وتسمح بمراوغة أفخاخ. ولأن ميزة رسالة التعليم أن يكون لها هذا البعد المحوري، وهو البعد التربوي، فلا بد من اتخاذ مبادرة الوقفة التفسيرية، ولا ننسى أن الوقفة التفسيرية هي في حد ذاتها موقف.
قد يقول قائل إنها أكثر من موقف، فهي، أصلا، واجب، صحيح يدخل اتخاذ المسافة في نطاق ما يسمى بـ»الأدبيات». وعند المسافة هذه يقف اكثر من طرف. فهو، مثلا، إجراء يشترك فيه الأستاذ والصحافي سواء بسواء. فالأمر يحتم على المرء أن يكون إجرائيا في معالجة مثل هذه المواضيع. ولا جرم، في هذا السياق، أن نمد القارئ الكريم هنا بركائز نراها قادرة على تبليغ هذه الرسالة التي ليست سوى رسالة نقل طلائع الحس النقدي، ولنجعل الركائز تلك على شكل عناوين عريضة يستفيد منها طالب العلم وناقله:
التذكير بأن دينا يتعرض للهجوم يعني أن جميع الأديان تعرضت لهجوم.
التذكير بأن من يهاجم باسم الدين ليس من أهل الدين.
التذكير بأن الدفاع عن حرية التعبير لا يعني بالضرورة الموافقة عن المضامين المعبر عنها.
تفسير الفرق بين الفكر والأيديولوجيا
تفسير الفرق بين خصوصية العقيدة والعقيدة المفروضة على شخص من طرف خارجي.
الفرق بين التربية وصناعة القوالب.
الفرق بين الصورة النمطية والصورة المتكونة تدريجيا من تجميع المعلومات.
وإن كنا نريد ختاما بقول فصل: الفرق بين استعمال الدماغ واعتماده أداة معرفة للنبش والتنقيب والموازنة والتعقيب. إنه استدعاء عاجل لا يحتمل الانتظار.

٭ باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

بيار لوي ريمون

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية