مصدر التعبير «نحن نضع ثقتنا بالله» في البيت الرابع من النشيد الوطني الأمريكي الذي كتبه فرنسيس سكوت كي عام 1814. في الحرب الأهلية في ستينيات القرن التاسع عشر بدأت حكومة دول الشمال في نقش هذا التعبير على عملتها، وهو دليل على عدالة النهج أمام دول الجنوب المتمردة، وبعد ذلك بمئة سنة وفي ذروة الحرب الباردة وكتعبير عن الفجوة بين العزة الأمريكية والشيوعية السوفييتية التي لا إله لها، وقّع الرئيس دويت آيزنهاور على قانون حول تعبير «نحن نضع ثقتنا بالله» إلى شعار وطني للولايات المتحدة، الذي يرفرف منذ ذلك الحين على ورقة الدولار التي يتم إصدارها من قبل مكتب الصك والطباعة في وزارة المالية في واشنطن.
استعراض الحوار الذي جرى لصالح صحيفة «هآرتس» قبيل يوم عيد الاستقلال الـ (242) للولايات المتحدة الذي يصادف اليوم، يبين أنه إذا وضعت أمريكا ثقتها بالله فإن إسرائيل وضعت ثقتها بأمريكا. (84) في المئة من الجمهور يعتقدون بأن إسرائيل إذا ما تعرضت لخطر عسكري وجودي فإن الولايات المتحدة ستهب لمساعدتها. إن الثقة باستعداد العم سام بالوقوف إلى جانب إسرائيل في وقت الضائقة يخترق كل المعسكرات، ويميز كل الشرائح، بما في ذلك جميع المواطنين العرب. أما الجمهور الذي تربى على شعارات مثل «ستكون شعب وحيد،» و«كل العالم ضدنا»، و«إذا لم أكن لنفسي فمن يكون لي»، فهذا يعدّ ثقة استثنائية وفريدة. أغلبية ساحقة من الجمهور على قناعة أيضًا بأن الأمر يتعلق بحلف أبدي وعلاقة وثيقة لا تنفصل، بل ستصمد في الأزمات. (62) في المئة من الجمهور يعتقدون أن الحلف مع الولايات المتحدة ثابت ودائم وسيصمد طوال الوقت، مقابل (24) في المئة فقط يخشون من أن هذا الحلف يمكن أن ينهار أو أن يتم إلغاؤه في المستقبل، وبذلك أيضًا يؤمن معظم الجمهور، ومنهم الجمهور العربي على الرغم من أنه يمكن الافتراض بأن النظر إلى هذا الحلف يأتي بالمعنى السلبي للكلمة. فقط الحريديون هم الذين لديهم شكوك حول قوة العلاقات الخاصة (45 في المئة فقط يعتقدون أن هذا الحلف سيصمد في وجه كل شيء).
قد يخشى الحريديون وضع ثقتهم بمملكة البشر، بالأحرى بمملكة الأغيار، ربما لأنهم يحملون على أكتافهم عبءًا أثقل للمدافع اليهودي الذي يتعامل مع خيانة الأمم على أنه أمر لا مناص منه. هم بالتأكيد يشعرون براحة أكثر مع الشعار الأمريكي «نحن نضع ثقتنا بالله»، حتى لو أن الأمر لا يتعلق بالضبط بالإله نفسه.
الولايات المتحدة هي الدولة التي تحظى بالتأييد الأكبر من بين الدول التي أجرينا الاستطلاع فيها، رغم أنه يجب الاعتراف بأن المنافسة لم تكن صعبة. نسبة تأييد الولايات المتحدة تقترب من الـ (90) في المئة في أوساط جميع شرائح السكان، باستثناء العرب الذين هم أيضًا يؤيدون، وإن كان ذلك بصورة أقل، ثم تأتي الأرجنتين، ربما كخطوة مناكفة لميري ريغف أو بسبب التعاطف مع ليو ميسي الذي أبعد عن المونديال بصورة مخزية. أما الصين، وهذا الأمر المفاجئ، فتحظى بتأييد أكثر من فرنسا، وهما تحظيان بالتأييد أكثر من روسيا، رغم الجالية الروسية الكبيرة في إسرائيل والعلاقة الحميمية بين نتنياهو وبوتين. العرب في المقابل يؤيدون روسيا والصين، ولكنهم يحبون فرنسا أكثر من الجميع. وخلافًا لما كان متوقعًا فإن العرب يؤيدون مصر وإيران أقل من الدول الأخرى التي ذكرت في الاستطلاع. وبشكل عام وبموازنة الصوت اليهودي، فإن مصر تحتل أسفل القائمة، وذلك بعد إيران التي تحظى فقط بتأييد في أوساط نسبة معدودة من اليهود، ربما من ذوي الأصل الإيراني.
التعاطف مع الولايات المتحدة غير منفصل بالطبع عن العلاقة الشخصية لإسرائيليين كثيرين معها. (43) في المئة من الجمهور زاروها بصورة شخصية، و(23) في المئة منهم زاروها أكثر من مرة، (17) في المئة من السكان يوجد لهم أقارب من الدرجة الأولى يعيشون في أمريكا (هذا الأمر صحيح عند (30) في المئة من الجمهور العربي). و(32) في المئة من الجمهور لو استطاعوا الانتقال للعيش في الولايات المتحدة لفعلوا. فالأمر إذا ما كان يتعلق بمعطى منخفض أو مرتفع هو أمر يتعلق بوجهة النظر؛ فالشباب لأرض الفرص غير المحدودة منجذبون أكثر من المسنين، وكذلك العلمانيون مقابل المتدينين. فقد أظهر (5) في المئة فقط من المتدينين رغبتهم في الانتقال إلى الولايات المتحدة، وحتى هذا كان بتحفظ، إذ لم يظهر أحد منهم رغبة شديدة لنقل مكان سكنه، ربما بسبب فتوى الرمبام: «كل من يخرج إلى خارج البلاد وكأنه يعمل عمل غريب». وبالمقارنة بين السكان اليهود والعرب، فإن الأخيرين يتمسكون أكثر بمبدأ الصمود: (69) في المئة قالوا إن الانتقال إلى الولايات المتحدة لا يخطر ببالهم إطلاقًا مقابل (31) في المئة فقط في أوساط اليهود.
بين ترامب وأوباما
الميل الطبيعي هو الربط بين الثقة الكبيرة للجمهور الإسرائيلي بحليفته وراء البحار بدعم الرئيس دونالد ترامب، ولكن هذه وردة فيها شوكتان: الأولى هي أن نسبة مشابهة من الثقة باستعداد الولايات المتحدة لأن تهب لمساعدة إسرائيل في الأزمات سجلت أيضًا في استطلاعات نشرت قبل عقد، وتحديدًا نهاية ولاية جورج بوش وبداية ولاية براك أوباما إذا لم يكن في نهايتها. ومن جانب آخر فحتى لو كان الأمر يتعلق بالعودة إلى مستويات ثقة تاريخية وليس تغييرًا دراماتيكيًا، فإن استطلاعًا عالميًا أجراه معهد الأبحاث الأمريكي «بيو»، في السنة الماضية، أظهر أن إسرائيل هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في العالم التي ثقتها بأن رئيس الولايات المتحدة «سيفعل الشيء الصحيح» في إدارة شؤون العالم بقيت مستقرة حتى بعد انتخاب ترامب، بل زادت بدرجة معتدلة.
أما الشوكة الثانية والمفاجئة بدرجة ما، فهي أن الجمهور يتعاطف مع ترامب بأضعاف عن سلفه، لكن لا يمكن القول إن الإسرائيليين لا يخرجون عن أطوارهم. وجاء في الاستطلاع أن (49) في المئة من الجمهور يتعاطفون مع ترامب بدرجة كبيرة جدا أو بدرجة كبيرة، مقابل (45) في المئة ممن يتحفظون.
الأمر يتعلق باستنتاج محترم، لكن بالتأكيد ليس دراماتيكيا، فإذا قارناه مع نسبة التعاطف مع أوباما: فـ (19) في المئة فقط ينظرون إليه بإيجابية مقابل (76) في المئة ينظرون بسلبية. هذه النتيجة تتناقض بصورة واضحة مع الميل في أغلبية دول العالم باستثناء روسيا والفلبين وفيتنام.
حسب الاستطلاع، وربما لن يكون مفاجئا؛ فرغم ميل الرئيس الأمريكي للتأثر من نفسه على خلفية علاقته سيئة الصيت مع النساء، فإن تأييد الرجال لترامب قوي أكثر مما هو لدى النساء: (56) في المئة منهم يتعاطفون معه بدرجة كبيرة أو حتى كبيرة جدا، مقابل (41) في المئة فقط من النساء. هناك للتدين علاقة مباشرة بحب ترامب: فـ (48) في المئة من العلمانيين يتعاطفون مع الرئيس الأمريكي، مقابل (60 ـ 70) في المئة في أوساط الحريديين والمتدينين والتقليديين. وربما من النافل الإشارة إلى أن العرب حقًا لا يتحملون الرئيس: (65) في المئة بينوا أن ليس فيهم أي ذرة تعاطف معه. ومن جهة أخرى، وتبين أن العرب أيضًا غير متحمسين بشكل خاص لبراك أوباما، فـ (25) في المئة منهم فقط أظهروا تعاطفا كبيرا جدا أو كبيرا معه.
أما القطاع اليهودي فإن التعاطف مع أوباما وإن كان قليلًا نسبيًا في أوساط العلمانيين، وهو أقل من الربع، لكن الأمر يتعلق بنسبة هي ضعف نسبة التعاطف معه في أوساط التقليديين والمتدينين. أما في أوساط الحريديين (وإن احتُملت تفسيرات مختلفة من آرائه الليبرالية في الطرف الشرعي وجراء لون جلده في الطرف الأقل)، فلم يسجل أي تعاطف معه أبدًا.
خلافًا لرأي معظم العالم، ويمكن الادعاء أيضًا، خلافًا للمنطق الساحق والحقائق المعروفة، فإن معظم الجمهور الإسرائيلي على قناعة بأنه تحت قيادة ترامب وأن مكانة الولايات المتحدة ستتعزز، فـ (53) في المئة من الجمهور يعتقدون ذلك مقابل (14) في المئة يعتقدون أن مكانتها ستبقى على حالها، وأن (21) في المئة، ومنهم الجمهور العربي، يعتقدون أن مكانتها انخفضت. ربما أن الأمور التي نراها من هنا لا نراها من هناك في مكان آخر من العالم، أو ربما أن الجمهور الإسرائيلي يترجم المناكفات العلنية والصبيانية بين الفينة والأخرى لترامب مع حلفاء الولايات المتحدة، التي في حالات كثيرة تنتقد إسرائيل، كبرهان على الرجولة والقوة؛ وربما أننا نرى العالم بالمنظار الضيق في كسر الاتفاق النووي مع إيران، أو نقل السفارة إلى القدس وإدارة الظهر للفلسطينيين لا أكثر.
بهذا المعنى على الأقل، تقديرات الجمهور الإسرائيلي بخصوص خطة السلام لإدارة ترامب التي وعد بعرضها (لكنه حتى الآن متردد)، تتوافق مع المخاوف الكبيرة التي يظهرها الفلسطينيون. (44) في المئة من الجمهور على قناعة بأن الخطة ستكون «منحازة لإسرائيل» مقابل (7) في المئة فقط يعتقدون أنها ستكون لصالح الفلسطينيين، و(31) في المئة يعتقدون أنها ستكون متوازنة. وإن الإيمان بأن الخطة ستكون منحازة لإسرائيل بدرجة عالية ـ بشكل خاص ـ في أوساط مواطني إسرائيل العرب، وهذا ليس مفاجئًا.
كل ذلك يترجم في إظهار ثقة جارفة بالصورة التي يدير فيها نتنياهو العلاقة مع الولايات المتحدة، فـ (66) في المئة يعطون نتنياهو علامة إيجابية، بالتأكيد على العلاقة الحميمية التي عقدها مع ترامب، وعلى الانعطاف المؤيد لإسرائيل الذي ظهر في سياسة الولايات المتحدة في المنطقة. وثمة فجوة بين الرجال الذين بدا دعمهم لنتنياهو قويًا من جهة والنساء الأكثر تحفظًا من جهة أخرى؛ فالمعطيات المتراكمة تشير إلى فجوة في الجنس (تتعلق بالنوع الاجتماعي)، وكذلك في التفضيل السياسي، مثلما هو الوضع في الولايات المتحدة: الرجال يميلون أكثر نحو اليمين والنساء نحو اليسار.
الشتات الأكبر
نتنياهو يحصل على علامات أقل على علاجه للعلاقة بين إسرائيل ويهود الولايات المتحدة: (44) في المئة فقط راضون عنه في هذا المجال، مقابل (26) في المئة غير راضين. أما على خلفية التوتر بين نتنياهو واليهودية الاصلاحية والمحافظة فإنه ليس مفاجئًا أن الرضى عن نتنياهو زاد كثيرًا جدًا في أوساط الحريديين، المتدينين والتقليديين، ووصل إلى (90) في المئة تقريبًا مقابل العلمانيين الذين من بينهم أغلبية (34 ـ 39) في المئة، غير راضين عنه. الأمر المهم هو أن العلمانيين يهتمون أقل من نظرائهم المتدينين بفكرة أن معظم يهود الولايات المتحدة سيهاجرون إلى إسرائيل ـ (43) في المئة منهم يؤمنون بأنه ليس لديهم رغبة خاصة في هجرة هؤلاء. ولكن ما يجسد الصورة أكثر هو المعطى الذي يظهر أنه فقط (8) في المئة من العلمانيين يؤمنون بأنهم يريدون جدًا أن يروا هنا إخوانهم من الشتات، مقابل (21) في المئة من التقليديين و(51) في المئة من المتدينين و(36) في المئة من الحريديين. بالإجمال، فإن (98) في المئة من الحريديين يقولون إنهم يريدون رؤية معظم يهود الولايات المتحدة في أرض إسرائيل، رغم أنه يمكن الادعاء بأن الاستيراد بالجملة لعدد كبير من اليهود ذوي المواقف الليبرالية سيضعضع قوتهم السياسية. يجب أن نذكر مع ذلك أن الحاخامات القدامى أفتوا بأن وصية استيطان البلاد تعادل كل وصايا التوراة.
في الاستطلاع هناك أنباء جيدة جدًا وأخرى سيئة جدًا ليهود الولايات المتحدة، الأنباء السيئة هي أن الجمهور في إسرائيل، أغلبية (52) في المئة مقابل (37) في المئة، يعتقد بأنه لا يحق لهم الانتقال العلني لسياسة إسرائيل، وهذا موقف كان مقبولاً ذات يوم على الطرفين، لكنه الآن يعدّ أمرًا عفا عليه الزمن. بالضبط هنا النساء يشددن أكثر من الرجال، فهن يعارضن انتقادًا من جانب يهود الولايات المتحدة بنسبة ساحقة بين (28 ـ 59) في المئة مقابل الرجال الذين يظهرون تسامحًا أكبر وينقسمون بصورة متساوية بين مؤيدين ومعارضين، ربما لأن النساء يفضلن بقاء كل شيء داخل العائلة. على أي الأحوال، فهذا المعطى مثير للاهتمام وربما يقتضي بحثًا آخر.
مقابل ذلك، وبعد أن أغلقوا أفواههم، فإن اليهود غير الأرثوذكس سيسرون لسماع أنه خلافًا للموقف الأرثوذكسي المتلاعب، فإن معظم الجمهور يؤيد منح مساواة كاملة للتيارات الإصلاحية والمحافظة بنسبة (30 ـ 47) في المئة. التأييد ساحق في أوساط علمانيين ويصل إلى (11 ـ 71) في المئة تقريبًا. ولكنه يشمل أيضًا الذين يعتبرون أنفسهم تقليديين. يهود متدينون ومنهم أغلبية ساحقة للحريديين يعارضون الاعتراف بالإصلاحيين والمحافظين. ولأن الحريديين شركاء تقريبًا في كل ائتلاف ويوجد لمؤيديهم تأثير كبير في الليكود والبيت اليهودي، فإنه في الوقت الحالي يبدو أن يهود الولايات المتحدة سيكون عليهم انتظار قدوم المسيح من أجل الاعتراف بحقوقهم في حائط المبكى وأماكن أخرى، إلا إذا قرروا في يوم ما الانضمام إلينا بجموعهم، أيهما يحدث أولاً.
حيمي شليف
هآرتس 4/7/2018