قريبتنا فاديا، وهي قد جاوزت الستّين، بدأت تختبر الآن ملكتها الكتابية. ما قرأتُه، بل ما أقرئتُه على الفيسبوك، هو آخر قطعة كتبتها. وإذ سألت إن كان ممكنا أن أقرأ ما نشرته سابقا على صفحتها، أجابت، على الواتس آب هذه المرّة، أنها سترى إن كانت ما تزال محتفظة به.
لقد ضيّعتْها، مبدئيا على الأقل، إذ أنها لم تبحث كفاية بين البوستات السريعة الزوال، سواء تلك التي ترسلها هي أو تلك التي تُرسل لها من «فرنداتها» (بحسب المفردة التي يقترحها أحمد بيضون من ضمن مفردات أخرى يقترحها للغة الكومبيوتر).
كانت فادية إذن تُهمل النص الصغير الذي كتبته من لحظة ما تتوقّف التعليقات التي تأتيها عليه، أي بعد يوم من نشرها لها أو يومين على الأكثر. كما يدلّ هذا أيضا على أنها لم تكتب تلك النصوص على الورق من قبل، بل هي كتبتها على تلفونها المحمول مباشرة، بما يذكّر بآخرين أصغر عمرا وأشدّ تمرّسا راحوا، في أمسياتهم الشعرية، يلقون قصائدهم قارئين سطورها من شاشات تلفوناتهم.
فاديا التي، لمن يعرفونها، ليست من جماعة كتّاب الأدب ولا هي من قرّائه. ربما كانت، وهي في هذا العمر، مبقية على مشاعر المراهقة التي منها مثلا أن تثير فيها الأغنيات مشاعر أقوى مما يجب، أو تحمّل الوردة، أو صورة الوردة، أحاسيس تتجاوز الفتنة العابرة بها، أو ربما كان قد سبق لها أن فكّرت بأن تكتب رسالة غرامية في وقت ما، لكون رسائل الغرام يمكن أن تُضمّ، في تلك السلّة الواحدة، إلى الورود والأغنيات.
أحسب أن ما استدرج فاديا إلى هذا الطموح الجديد هو تلفونها الذي تظلّ تقلّب أزراره وأبوابه. وقد حصل ذلك بالتدريج لا بدّ، بادئا من البوستات الصغيرة والتحيات المرسلة بكلمات قليلة، وكذلك الكتابات الأدبية أو نصف الأدبية التي كانت تقرأها. بدت الكتابة ممكنة وهيّنة، كما راحت تفكّر، لتقول بعد ذلك أنها تستطيع أن تكتب أشياء مثل هذه التي تقرأها. وهي بدأت ذلك، بالتدريج أيضا، إذ ربما اقتصرت بدايتها على كلمتين اثنتين تفنّنت بهما لتضعهما في آخر الرسالة التي ردّت بها على ما كانت أرسلته صديقتها، ثمّ، خطوة فخطوة، وصلت إلى ما قد تحسبه قصيدة كاملة، منضمّة بها إلى ركب شعراء الكمبيوتر وشاعراته.
وهنا، في موجة الكتابة الجديدة هذه، الكومبيوتيرية أو التليفونية، لا قيود يفرضها أحد على أحد، وليس على الكاتب الجديد أن يلحق بموجة كتابة سائدة خوفا من أن يتّهم بأن ما يكتبه هو شيء من ماضي الأدب. فاديا لا تكترث لهؤلاء، بل هي لا تعلم إن كانوا موجودين أصلا. بين من هم على لائحة أصدقائها في الفيسبوك لا أحد قد يزعجها بتعليقاته. ولا أحد قد يضحك منها ويقول لها ما هذا الذي تكتبينه يا فاديا. مَن تراسلهم وتشترك معهم هم أكثر تسامحا من ذلك بكثير. لم يقل لها أحد منهم ما هذه القافية، ولن يقول لها آخر أن قصيدتها مؤلّفة من كلمات الأغنيات (وهي كذلك فعلا)، وأن هذه الأغنيات هي الأغنيات البدوية القديمة التي صنعت سميرة توفيق آخر أمجادها.
لقد فهم أصدقاؤها أنها تخاطب زوجها الراحل منذ أربع سنوات أو خمس بقصيدتها التي هكذا تبدأها:
هانت عليك وحدتي.. هانت عليك فرقاي
وين الودّ وين الوفا وين ضحكتك ويّاي…
ثم أن هؤلاء قارئيها (أو قارئاتها على الأغلب) أدركوا أن القصـــيدة تذهـــب إلى أبعــد من تذكّر الزوج، حيــث لم تعد الحـــياة تطاق حتى في تلك المدينة الأقل خطرا من سواها من المدن السورية الأخرى، حيث تعيش فاديا. لقد وصلت إليهن، هن صديقاتها، شكواها الحقيقية، مُصاغة بما يرونه شعرا حقيقيا.
ليس على فاديا إذن أن تذهب إلى أبعد في تعلّم الشعر، ليس عليها أن تحذو حذو أحد ولا أن تتلمذ على أحد. هي تكتب، راضية بالجمهور القليل الذي يقرأها، ومعترفة في الوقت نفسه بأن هناك آخرين كثيرين لهم جمهورهم الذي يختلف عن جمهورها، بل وهي تدرك أن المراس في الكتابة يرتفع تصاعديا حتى يبلغ أولئك الشعراء الذين تُنشر صورهم في الصحف، لكل جماعته أو مجتمعه الشعري (على ما يذكّر بفيلم Dead Poets Society)، ومن يكتب إنما يكتب لمن هم مثله.
«أنا أتسلّى»، تقول فاديا، أو تقول «أسلّي نفسي» متحسّبة إلى أن يرد أي تعليق هازئ من خارج جماعتها في الفيس بوك، لكنها مع ذلك كانت لها شجاعة أن تنشر قصيدة، وإن لمدّة يوم واحد. لا أكثر من يوم واحد أو يومين على الأكثر، وهي ربما ستضحك هي نفسها إن عرفت أن أحدا ما يحتفل بقصيدتها أكثر مما يجب.
٭ روائي لبناني
حسن داوود